تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وهذا هو السر في تعليل الشيخ الأنصاري « رحمه الله » لوجوب متابعته بكونه طريقا بذاته ولم يتعرّض في التعليل لنفس الوجوب ( 1 ) . ومن أجل هذا ركز البحث كله على طريقيته الذاتية ( 2 ) .
شرح
( 1 ) لأن وجوب متابعة القطع أمر ذاتي لا يحتاج إلى تعليل . ( 2 ) قال الشيخ الأنصاري « قدس سره » لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا ، لأنه بنفسه طريق إلى الواقع ، وليس طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا » . يذكر أن للقطع ثلاث جهات يمكن ملاحظتها في نفس القاطع : الجهة الأولى : كشفه عن الواقع بحيث لا يرى القاطع إلّا الواقع ، إلى درجة إنه لا يلتفت إلى قطعه كانعكاس صورة زيد في المرآة كيف أن زيد لا يلتفت إلى وجود المرآة أثناء رؤيته نفسه في المرآة كذلك القاطع فإنه لا يلتفت إلى قطعه عند رؤيته للواقع . وهذا الكشف الجزمي التام لا يكون بجعل من الشارع ، وأن حجيته ذاتية ، أي : أن حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته . الجهة الثانية : حكم العقل بوجوب متابعة القطع ، وحكم العقل بحسن المؤاخذة على مخالفته ، وقبح المؤاخذة على موافقته ، لأنه بعد انكشاف الواقع تمام الانكشاف لا يرى العقل القاطع معذورا في مخالفته له لتمامية الحجة عليه ، وهذا الانكشاف التام هو الموجب لتنجزه على القاطع . الجهة الثالثة : وبعد تحقق الجهتين لا شك في ترتب الآثار الطبيعية والفطرية لدفع الضرر عنه ، وهذا الأثر هو الانبعاث والتحرك نحو العمل المقطوع به أو انزجاره عنه . ويشهد بهذا الوجدان والضرورة على أن القطع بالوجوب أو الحرمة مثلا يحرك القاطع نحو الفعل أو الترك ، بحيث يرى القاطع نفسه مذموما في صورة المخالفة ، ومأمونا من الذم والعقاب في صورة الموافقة من غير فرق في ذلك بين أقسام القطع وأسبابه . قد تسأل : متى يمكن للمولى الترخيص بالمخالفة ؟ هل يمكن الترخيص بالمخالفة في صورة القطع والظن أو فقط في صورة القطع ، أو فقط في صورة الاحتمال والظن ؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول : يمكن صدور الترخيص بالمخالفة في صورة الاحتمال والظن ، ولا يمكنه في صورة القطع بها ، ولأجل التوضيح نقول : لا محذور في ترخيص الشارع في صورة الاحتمال والظن ، فلو كان لدينا سائل نحتمل أنه خمر فلا محذور في ترخيص الشارع في تناوله والحكم عليه بالحلية لقاعدة « كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام » ، وهنا لا نعلم أنه الخمر المحرم شربه . غاية ما في الأمر : نحتمل أنه خمر فتنطبق القاعدة عليه لتوفر موضوعها فيكون حلالا . إلّا أن ابن قبة أثار إشكاله المعروف حيث ذكر أن السائل لو كان في علمه « سبحانه وتعالى » خمرا واقعا ورخص الشارع في تناوله للقاعدة المذكورة أعلاه لزم اجتماع الحرمة والإباحة وهو مستحيل . الجواب على هذا المحذور : هو أن الإباحة الواردة طبقا للترخيص المولوي ظاهرية ، فلا محذور في اجتماع الحكم الظاهري مع الحرمة الواقعية ، وقد ذكرنا النكتة في ذلك في الجواب الثاني للسيد الصدر على شبهة ابن قبة فراجع .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 30 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني