تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
( ثانيهما ) : طريقية القطع للواقع . فما المراد من كون القطع حجة بذاته ؟ هل المراد أن وجوب متابعته أمر ذاتي له ، كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليين المتأخرين ، أم أن المراد أن طريقيته ذاتية ؟ وإنما صح أن يسأل هذا السؤال ، فمن أجل قياسه على الظن حينما نقول : إنه حجة ، فإن فيه جهتين : 1 - ( جهة طريقيته للواقع ) فحينما نقول : إن حجيته مجعولة ، نقصد أن طريقيته مجعولة ؛ لأنها ليست ذاتية له ، لوجود احتمال الخلاف . فالشارع يجعله طريقا إلى الواقع بإلقاء احتمال الخلاف ، كأنه لم يكن فتتم بذلك طريقيته الناقصة ليكون كالقطع في الإيصال إلى الواقع . وهذا المعنى هو المجعول للشارع . 2 - ( جهة وجوب متابعته ) فحينما نقول : إنه حجة ، نقصد أن الشارع أمر بوجوب متابعة ذلك الظن والأخذ به أمرا مولويا ، فينتزع من هذا الأمر أن هذا الظن موصل إلى الواقع ومنجّز له ، فيكون المجعول هو الوجوب ، ويكون هذا معنى حجية الظن . وإذا كان هذا حال الظن ، فالقطع ينبغي أن يكون له أيضا هاتان الجهتان ، فنلاحظهما حينما نقول مثلا : إن حجيّته ذاتية إما من جهة كونه طريقا بذاته وإما من جهة وجوب متابعته لذاته . ولكن - في الحقيقة - إن التعبير بوجوب متابعة القطع لا يخلو عن مسامحة ظاهرة ، منشأها ضيق العبارة عن المقصود ، إذ يقاس على الظن ، والسر في ذلك واضح ؛ لأنه ليس للقطع متابعة مستقلة غير الأخذ بالواقع المقطوع به ، فضلا عن أن يكون لهذه المتابعة وجوب مستقل غير نفس وجوب الأخذ بالواقع المقطوع به ، أي : وجوب طاعة الواقع المنكشف بالقطع من وجوب أو حرمة أو نحوهما . إذ ليس وراء انكشاف الواقع شيء ينتظره الإنسان ، فإذا انكشف الواقع له فلا بدّ أن يأخذ به . وهذه اللابدّية لا بدّية عقلية ( 1 ) منشأها : أن القطع بنفسه طريق إلى الواقع ، وعليه : فيرجع التعبير بوجوب متابعة القطع إلى معنى كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع ، وأن نفسه نفس انكشاف الواقع . فالجهتان فيه جهة واحدة في الحقيقة .
شرح
( 1 ) هذه اللابدّية العقلية هي نفس وجوب الطاعة الذي هو وجوب عقلي ، لأنه داخل في الآراء المحمودة التي تتطابق عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء ، كما شرحناه في الجزء الثاني . ( المصنّف ) .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 29 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني