وأما السابعة : مرسلة الكليني ، فليس من البعيد أنها من استنباطاته حسبما فهمه من الروايات ، لا إنها رواية مستقلة في قبال سائر روايات الباب ، ويشهد لذلك : ما ذكره في مقدمة الكافي ص 9 من مرسلة أخرى بهذا المضمون : « بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم » ، لأنه لم ترد عنده رواية بهذا التعبير إلّا تلك المرسلة التي نحن بصددها وهي بخطاب المفرد ، وهذه بخطاب الجمع . وعليه : فيظهر أن المرسلتين معا هما من مستنبطاته ، فلا يصح الاعتماد عليهما .
إذا عرفت ما ذكرناه يظهر لك إن القول بالتخيير لا مستند له يصلح لمعارضة أخبار التوقف ، ولا للخروج عن القاعدة الأولية للمتعارضين وهي التساقط ، وإن كان التخيير مذهب المشهور .
وأما أخبار التوقف : فإنها مضافا إلى كثرتها وصحة بعضها وقوة دلالتها لا تنافي قاعدة التساقط في الحقيقة ، لأن الإرجاء والتوقف لا يزيد على التساقط ، بل هو من لوازمه ، فأخبار التوقف تكون على القاعدة .
وقيل في وجه تقديم أخبار التخيير : أن أدلة التخيير مطلقة بالنسبة إلى زمن الحضور ، بينما أن أخبار التوقف مقيدة به . وصناعة الإطلاق والتقييد تقتضي رفع التعارض بينهما بحمل المطلق على المقيد . ونتيجة : ذلك التخيير في زمان الغيبة كما عليه المشهور .
أقول : إن أخبار التوقف كلها بلسان الإرجاء إلى ملاقاة الإمام ، فلا يستفاد منها تقييد الحكم بالتوقف بزمان الحضور ، لأن استفادة ذلك يتوقف على أن يكون للغاية مفهوم ، وقد تقدم ج 1 ، ص 250 : بيان المناط في استفادة مفهوم الغاية ، فقلنا : ( إن الغاية إذا كانت قيدا للموضوع أو المحمول فقط لا دلالة لها على المفهوم ، ولا تدل على المفهوم إلّا إذا كان التقييد بالغاية راجعا إلى الحكم ) .
والغاية هنا غاية لنفس الإرجاء لا لحكمه وهو الوجوب ، يعني : أن المستفاد من هذه الأخبار أن نفس الإرجاء مغيّا بملاقاة الإمام ، لا وجوبه .
والحاصل : إنه لا يفهم من أخبار التوقف إلّا إنه لا يجوز الأخذ بالأخبار المتعارضة المتكافئة ، ولا العمل بواحد منها ، وإنما يحال الأمر في شأنها إلى الإمام ويؤجل البت فيها إلى ملاقاته ، لتحصيل الحجة على الحكم بعد السؤال عنه ، فهي تقول بما يأول إلى إن الأخبار المتعارضة المتكافئة لا تصلح لإثبات الحكم ، فلا تجوز
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 319
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٣١٩