النهاية ، ولا ينقطع التسلسل إلّا بالانتهاء إلى ما هو حجة بذاته وليس هو إلّا ( العلم ) .
ثالثا : فانتهى الأمر بالأخير إلى ( العلم ) . فتمّ المطلوب .
وبعبارة أسدّ وأخصر ، نقول :
إن الظن لما كانت حجيته ليست ذاتية ، فلا تكون إلّا بالعرض ، وكل ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما هو بالذات ، ولا مجاز بلا حقيقة .
وما هو حجة بالذات ليس إلّا ( العلم ) . فانتهى الأمر بالأخير إلى ( العلم ) .
وهذا ما أردنا إثباته ، وهو أن قوام الأمارة والمناط في إثبات حجيتها هو ( العلم ) ، فإنه تنتهي إليه حجية كل حجة ؛ لأن حجيّته ذاتية .
7 - حجية العلم ذاتية :
كررنا في هذا البحث السابق القول : بأن « حجية العلم ذاتية » ووعدنا ببيانها ، وقد حل هنا الوفاء بالوعد ؛ فنقول :
قد ظهر مما سبق معنى كون الشيء حجيته ذاتية ، فإن معناه : أن حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته ، فليست مستفادة من الغير ولا تحتاج إلى جعل من الشارع ولا إلى صدور أمر منه باتّباعه ، بل العقل هو الذي يكون حاكما بوجوب اتّباع ذلك الشيء .
وما هذا شأنه ليس هو إلّا العلم .
ولقد أحسن الشيخ العظيم الأنصاري « قدس سره » مجلي هذه الأبحاث في تعليل وجوب متابعة القطع ( 1 ) ، فإنّه بعد أن ذكر إنه « لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا » علل ذلك بقوله : « لأنه بنفسه طريق إلى الواقع وليست طريقته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا » .
وهذا الكلام فيه شيء من الغموض بعد أن اختلفت تعبيرات الأصوليين من بعده ، فنقول لبيانه :
إن هنا شيئين أو تعبيرين :
( أحدهما ) : وجوب متابعة القطع والأخذ به .
شرح
( 1 ) مما يجب التنبيه عليه : أن المراد من العلم هنا هو « القطع » ، أي : الجزم الذي لا يحتمل الخلاف ، ولا يعتبر فيه أن يكون مطابقا للواقع في نفسه ، وإن كان في نظر القاطع لا يراه إلّا مطابقا للواقع ، فالقطع الذي هو حجة تجب متابعته أعم من اليقين والجهل المركب . يعني : أن المبحوث عنه هو العلم من جهة أنه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع . ( المصنّف ) .