. . . . .
شرح
المتضادين ، كما ولا يلزم صيرورة الشيء الواحد محبوبا ومبغوضا ، فإن الخل الواقعي محبوب واقعا ولا يلزم بجعل الحرمة على السائل المشكوك صيرورته - الخل الواقعي - مبغوضا ، فإن الحكم المذكور لم ينشأ عن مبغوضية الخل بل هو وليد الملاك الأهم وهو مفسدة الخمر .
وينبغي الالتفات إلى : أن الحكم الواقعي بإباحة الخل تارة : ينشأ من وجود مصلحة في شرب الخل - كمصلحة التسهيل - تقتضي تشريع الإباحة ، وتسمى مثل هذه الإباحة بالإباحة الاقتضائية ، وأخرى :
ينشأ من عدم وجود مفسدة في تناول الخل وعدمه ، ومثل هذه الإباحة تسمى بالإباحة غير الاقتضائية .
وحديثنا السابق كنا نفترض فيه الإباحة إباحة اقتضائية ، ففي حالة تردد الشيء بين كونه مباحا إباحة اقتضائية وبين كونه محرما يقدّم الملاك الأهم ويشرّع الحكم الظاهري على طبقه ، أما إذا كانت الإباحة غير ذلك فالقانون الذي يشرّعه المولى لا بدّ وأن يكون هو الحكم بحرمة كل مشكوك ، إذ الإباحة غير الاقتضائية ليس لها ملاك حتى ينشئ المولى الحكم الظاهري على طبقها ؛ بل لا بدّ من تشريع حرمة المشكوك لانحصار الملاك بذلك ، وباختصار : أن الإباحة إذا لم تكن اقتضائية تعيّن كون الحكم الظاهري هو حرمة المشكوك ، وإذا كانت اقتضائية ففيه احتمالان : حرمة كل مشكوك فيما لو كانت المفسدة هي الأهم ، وإباحة كل مشكوك فيما لو كانت الإباحة هي الأهم .
هذا حصيلة ما أفاده « قدّس سرّه » ، وهو يصور لنا فيه حقيقة الحكم الظاهري وأنه حكم وليد الملاك الأهم ، ويصور لنا أن مبادئ الحكم الظاهري هي عين مبادئ الحكم الواقعي ، الأمر الذي يضفي على الحكم الواقعي والظاهري كمال الألفة ، وإلى كل هذا نلمس في الجواب المذكور تطابقه والذوق العقلائي ، فكثيرا ما نتداوله في حياتنا الاعتيادية ، وعلى سبيل المثال قد ترغب أحيانا في دخول بعض الأصدقاء عليك وتكره دخول بعضهم الآخر ، فإذا دقّ الباب وشككت في الطارق ولم تعلم أنه الصديق الأول حتى تفتح له الباب ، أو الثاني حتى تبقيه مغلقا ، في مثل هذه الحالة تأخذ بالموازنة بين المصلحة في دخول الأول والمفسدة في دخول الثاني ، فإذا رأيت الأولى أهم فتحت الباب أو أصدرت أمرا بفتحه حالة الشك لكل طارق ، وإذا كانت الثانية أعظم أصدرت أمرا على العكس ، وإن الأمر الصادر المذكور حكم ظاهري مجعول حالة الشك ولم يتولّد من مصلحة مغايرة للمصلحة الواقعية ، وكم وكم من أمثلة هذا القبيل نعاصرها في حياتنا العادية تقوم على أساس الفكرة المذكورة . وهناك جواب ثالث فمن أراده فليراجع الحلقة الثالثة الجزء الأول للسيد الصدر .
الجواب عن الشبهة الثانية لابن قبة : من خلال ما سبق يتجلى الجواب عن الشبهة الثانية لابن قبة - وهي شبهة نقض الغرض القائلة بأن تشريع الحكم الظاهري يستلزم فوات مصلحة الواقع في بعض الحالات - فإن فوات مصلحة الواقع لا محذور فيه ما دام ذلك للحفاظ على الملاك الأهم .
الجواب على الشبهة الثالثة : الشبهة الثالثة المصطلح عليها بشبهة تنجّز الواقع المشكوك - وهي : أن تشريع حجيّة الأمارة والأصل لغو وبلا فائدة ، فإن وجوب الجمعة مثلا إذا كان مجهولا قبل دلالة الأمارة عليه فبعد دلالتها عليه لا يصح العقاب على ترك امتثاله لأنه عقاب بلا بيان ، إذ بالأمارة لا يصبح الواقع معلوما بل ومظنونا - تتم على مسلك المشهور القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان كما هو واضح ، ولا تتم على مسلك السيد الشهيد الذي يرى أن التكليف المحتمل منجّز أيضا وإن لم يكن