منصوص العلة ، فمن يراه حجة يراه فيما إذا كان له ظهور في عموم العلة ، ومن لا يرى حجيته يراه فيما إذا كان الأخذ به أخذا به على نهج القياس .
والخلاصة : إن المدار في منصوص العلة أن يكون له ظهور في عموم الموضوع لغير ما له الحكم ( أي : المعلل الأصل ) ، فإنه عموم من جملة الظواهر التي هي حجة ، ولا بد حينئذ أن تكون حجيته على مقدار ما له من الظهور في العموم ، فإذا أردنا تعديته إلى غير ما يشمله ظهور العموم : فإن التعدية لا محالة تكون من نوع الحمل والقياس الذي لا دليل عليه ، بل قام الدليل على بطلانه .
قياس الأولوية : أما ( قياس الأولوية ) فهو نفسه الذي يسمى ( مفهوم الموافقة ) الذي تقدمت الإشارة إليه 1 / 222 وقلنا هنا : إنه يسمى ( فحوى الخطاب ) ، كمثال الآية الكريمة
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
الدالة بالأولوية على النهي عن الشتم والضرب ونحوهما .
وتقدم في هذا الجزء ص 182 : أن هذا من الظواهر ، فهو حجة من أجل كونه ظاهرا من اللفظ ، لا من أجل كونه قياسا حتى يكون استثناء من عموم النهي عن القياس ، وإن أشبه القياس ، ولذلك سمي بقياس الأولوية والقياس الجلي .
ومن هنا لا يفرض مفهوم الموافقة إلّا حيث يكون للفظ ظهور بتعدي الحكم إلى ما هو أولى في علة الحكم ، كآية التأفيف المتقدمة ، ومنه دلالة الإذن بسكنى الدار على جواز التصرف بمرافقها بطريق أولى ، ويقال لمثل هذا في عرف الفقهاء : ( إذن الفحوى ) ، ومنه الآية الكريمة :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
الدالة بالأولوية على ثبوت الجزاء على عمل الخير الكثير .
وبالجملة : إنما نأخذ بقياس الأولوية إذا كان يفهم ذلك من فحوى الخطاب ، إذ يكون للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علة الحكم ، فيكون حجة من باب الظواهر ، ومن أجل هذا عدوه من المفاهيم وسموه مفهوم الموافقة .
أما إذا لم يكن ذلك مفهوما من فحوى الخطاب فلا يسمى ذلك مفهوما بالاصطلاح ، ولا تكفي مجرد الأولوية وحدها في تعدية الحكم ، إذ يكون من القياس الباطل .