على وجه لا اختصاص لها بالمعلل - ( الذي هو كالأصل في القياس ) - فلا شك في :
أن الحكم يكون عاما شاملا للفرع ، مثل ما لو قال : حرم الخمر لأنه مسكر ، فيفهم منه حرمة النبيذ لأنه مسكر أيضا . وأما إذا لم يفهم منه ذلك ، فلا وجه لتعدية الحكم إلى الفرع إلّا بنوع من القياس الباطل ، مثل ما لو قيل : هذا العنب حلو لأن لونه أسود ، فإنه لا يفهم منه أن كل ما لونه أسود حلو ، بل العنب الأسود خاصة حلو .
وفي الحقيقة : أنه بظهور النص في كون العلة عامة ينقلب موضوع الحكم من كونه خاصا بالمعلل إلى كون موضوعه كل ما فيه العلة ، فيكون الموضوع عاما يشمل المعلل ( الأصل ) وغيره ، ويكون المعلل من قبيل المثال للقاعدة العامة ، لا إن موضوع الحكم هو خصوص المعلل ( الأصل ) ونستنبط منه الحكم في الفرع من جهة العلة المشتركة ، حتى يكون المدرك مجرد الحمل والقياس ، كما في الصورة الثانية ، أي :
التي لم يفهم فيها عموم العلة .
ولأجل هذا نقول : إن الأخذ بالحكم في الفرع في الصورة الأولى يكون من باب الأخذ بظاهر العموم ، وليس هو من القياس في شيء ليكون القول بحجية التعليل استثناء من عمومات النهي عن القياس .
مثال ذلك : قوله « عليه السلام » في صحيحة ابن يزيغ : « ماء البئر واسع لا يفسده شيء . . . لأن له مادة » ، فإن المفهوم منه - أي : الظاهر منه - إن كل ماء له مادة واسع لا يفسده شيء ، وأما ماء البئر فإنما هو أحد مصاديق الموضوع العام للقاعدة ، فيشمل الموضوع بعمومه كلا من ماء البئر وماء الحمام وماء العيون وماء حنفية الإسالة . . .
وغيرها ، فالأخذ بهذا الحكم وتطبيقه على هذه الأمور غير ماء البئر ليس أخذا بالقياس ، بل هو أخذ بظهور العموم ، والظهور حجة .
هذا ، وفي عين الوقت لما كنا لا نستظهر من هذه الرواية شمول العلة - ( لأن له مادة ) - لكل ما له مادة وإن لم يكن ماء مطلقا ، فإن الحكم - ( وهو الاعتصام من التنجّس ) - لا نعدّيه إلى الماء المضاف الذي له مادة إلّا بالقياس ، وهو ليس بحجة .
وما هنا يتضح الفرق بين الأخذ بالعموم في منصوص العلة والأخذ بالقياس ، فلا بد من التفرقة بينهما في كل علة منصوصة لئلا يقع الخلط بينهما . ومن أجل هذا الخلط بينهما يكثر العثار في تعرف الموضوع للحكم .
وبهذا البيان والتفريق بين الصورتين يمكن التوفيق بين المتنازعين في حجية
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 273
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٢٧٣