وهي - إن لم ترجع إلى ظواهر الأدلّة السمعية أو الملازمات العقلية - لا دليل على حجيتها ، بل هي أظهر أفراد الظن المنهي عنه ، وهي دون القياس من ناحية الاعتبار .
ولو أردنا إخراجها من عمومات حرمة العمل بالظن لا يبقى عندنا ما يصلح لانطباق هذه العمومات عليه مما يستحق الذكر ، فيبقى النهي عن الظن بلا موضوع .
ومن البديهي عدم جواز تخصيص الأكثر .
شرح
نعم القائلون بأن الاستحسان هو الأخذ بأقوى الدليلين يمكنهم التمسك بهذه الآيات .
أدلتهم من السنة : وقد استدلوا منها بما روي عن عبد الله بن مسعود من أنه قال : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسنا » .
ويرد على هذا الاستدلال :
بأنها موقوفة على ابن مسعود ، ولم يروها أحد عنه عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » ، وربما كانت كلاما له لا حديثا عن النبي « صلى الله عليه وآله » ، ومع هذا الاحتمال لا تصلح للدليلية أصلا .
نعم إذا كان المراد بالاستحسان هو : خصوص الأخذ بأقوى الدليلين فهو حسن ولا مانع من الأخذ به ، إلّا إن عده أصلا في مقابل الكتاب والسنة ودليل العقل لا وجه له ، « وإن كان - كما يقول ابن القفال - ما يقع في الوهم من استقباح الشيء ، واستحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ » .
س : ما المراد من المصالح المرسلة ؟ ج : لتحديد معنى المصالح المرسلة لا بد من تحديد معنى المصلحة أولا ثم تحديد معنى الإرسال فيها ليتضح معنى هذا التركيب الخاص .
يقول الغزالي : المصلحة هي : « عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة » . وقال : « ولسنا نعني به ذلك ، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم ، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع » .
« ومقصود الشرع من الخلق خمسة : وهو أن يحفظ عليهم دينهم ، ونفسهم ، وعقلهم ، ونسلهم ومالهم ، فكل ما يتضمن هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة ، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة » .
وعرفها الطوفي بقوله : هي « السبب المؤدي إلى مقصود الشرع عبادة وعادة » . وأراد بالعبادة : « ما يقصده الشارع لحقه » . والعادة : « ما يقصده الشارع لنفع العباد وانتظام معايشهم وأحوالهم » .
وأما تعريفهم للإرسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم ، فالذي يبدو من بعضهم أن معناه : عدم الاعتماد على أي نص شرعي ، وإنما يترك للعقل حق اكتشافها ، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن معناها هو عدم الاعتماد على نص خاص ، وإنما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامة ، واستنادا إلى هذا التفاوت في معنى الإرسال ، تفاوتت المصلحة المرسلة . فابن برهان يعرفها بقوله هي :
« ما لا تستند إلى أصل كلي أو جزئي » ، أي : المصلحة التي ليس فيها نص شرعي لا عام ولا خاص .