ومنها : حديث بيع الرطب بالتمر ، فإن رسول الله « صلى الله عليه وآله » سأل :
« أينقص الرطب إذا يبس » ؟ فلما أجيب بنعم ، قال : « فلا ، إذن » .
والجواب : إن هذا الحديث - على تقدير صحته - يشبه حديث الخثعمية ، فإن المقصود منه التنبيه على تطبيق العام على أحد مصاديقه الخفية . وليس هو من القياس في شيء .
وكذلك يقال في أكثر الأحاديث المروية في الباب .
على أنها بجملتها معارضة بأحاديث أخر يفهم منها النهي عن الأخذ بالرأي من دون الرجوع إلى الكتاب والسنة .
الدليل من الإجماع : والإجماع هو أهم دليل عندهم ، وعليه معولهم في هذه المسألة . والغرض منه إجماع الصحابة .
ويجب الاعتراف بأن بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي وأكثروا ؛ بل حتى فيما خالف النص تصرفا في الشريعة باجتهاداتهم .
والإنصاف إن ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم ، ولكن - كما سبق أن أوضحناه - لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة ، ولم يعرف عنهم على أي أساس كانت اجتهاداتهم ، أكانت تأويلا للنصوص أو جهلا بها أو استهانة بها ؟ ربما كان بعض هذا أو كله من بعضهم .
وفي الحقيقة : إنما تطور البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه وخصائصه في القرن الثاني والثالث كما سبق بيانه ، فميزوا بين القياس والاستحسان والمصالح المرسلة .
ومن الاجتهادات : قول عمر بن الخطاب : ( متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا محرمهما ومعاقب عليهما ) ومنها : جمعه الناس لصلاة التراويح ، ومنها : إلغاؤه في الأذان ( حي على خير العمل ) . فهل كان ذلك من القياس أو من الاستحسان المحض ؟
لا ينبغي أن يشك إن مثل هذه الاجتهادات ليست من القياس في شيء .
وكذلك كثير من الاجتهادات عندهم .
وعليه : فابن حزم على حق إذا كان يقصد إنكار أن يكون القياس سابقا معروفا
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 269
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٢٦٩