والذي يبدو : أن المخالفين لآل البيت الذين سلكوا غير طريقهم ولم يعجبهم أن يستقوا من منبع علومهم أعوزهم العلم بأحكام اللّه وما جاء به الرسول « صلى الله عليه وآله » ، فالتجئوا إلى أن يصطنعوا الرأي والاجتهادات الاستحسانية للفتيا والقضاء بين الناس ، بل حكّموا الرأي والاجتهاد حتى فيما يخالف النص ، أو جعلوا ذلك عذرا مبررا لمخالفة النص ، كما في قصة تبريز الخليفة الأول لفعلة خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة وقد خلا بزوجته ليلة قتله ، فقال عنه : ( إنه اجتهد فأخطأ ) ، وذلك لما أراد الخليفة عمر بن الخطاب أن يقاد به ويقام عليه الحد ( 1 ) .
وكان الرأي والقياس غير واضح المعالم عند من كان يأخذ به من الصحابة والتابعين ، حتى بدأ البحث فيه لتركيزه وتوسعة الأخذ به في القرن الثاني على يد أبي حنيفة وأصحابه . ثم بعد أن أخذت الدولة العباسية تساند أهل القياس ، وبعد ظهور النقاد له انبرى جماعة من علمائهم لتحديد معالمه وتوسيع أبحاثه ، ووضع القيود والاستدراكات له ، حتى صار فنا قائما بنفسه .
ونحن يهمنا منه البحث عن موضع الخلاف فيه وحجيته ، فنقول :
1 - تعريف القياس :
إن خير التعريفات للقياس - في رأينا - أن يقال : « هو إثبات حكم في محل بعلة لثبوته في محل آخر بتلك العلة » . والمحل الأول ، وهو المقيس ، - يسمى ( فرعا ) ، والمحل الثاني ، وهو المقيس عليه ، يسمى ( أصلا ) . والعلة المشتركة تسمى ( جامعا ) .
وفي الحقيقة : أن القياس عملية من المستدل ( أي : القائس ) لغرض استنتاج حكم شرعي لمحل لم يرد فيه نص بحكمه الشرعي ، إذ توجب هذه العملية عنده الاعتقاد يقينا أو ظنا بحكم الشارع .
والعملية القياسية هي نفس حمل الفرع على الأصل في الحكم الثابت للأصل شرعا ، فيعطي القائس حكما للفرع مثل حكم الأصل ، فإن كان الوجوب أعطى له الوجوب ، وإن كان الحرمة فالحرمة . . . وهكذا .
ومعنى هذا الإعطاء : أن يحكم بأن الفرع ينبغي أن يكون محكوما عند الشارع بمثل حكم الأصل للعلة المشتركة بينهما ، وهذا الإعطاء أو الحكم هو الذي يوجب
شرح
( 1 ) راجع كتاب « السقيفة » للمؤلف ص 17 ، الطبعة الثالثة .