غير طريق التبليغ بالأدلة السمعية ، أما وجود الإسكار في الخمر وغيره من المسكرات فأمر يعرف بالوجدان ، ولكن لا ربط لذلك بمعرفة كونه هو الملاك في التحريم ، فإنه ليس هذا من الوجدانيات .
وعلى كل حال ، فإن السر في أن الأحكام وملاكاتها لا مسرح للعقول في معرفتها واضح ؛ لأنها أمور توقيفية من وضع الشارع ، كاللغات والعلامات والإشارات التي لا تعرف إلّا من قبل واضعيها ، ولا تدرك بالنظر العقلي ، إلّا من طريق الملازمات العقلية القطعية التي تكلمنا عنها فيما تقدم في بحث الملازمات العقلية في الجزء الثاني ، وفي دليل العقل من هذا الجزء ، والقياس لا يشكل ملازمة عقلية بين حكم المقيس عليه وحكم المقيس .
نعم إذا ورد نص من قبل الشارع في بيان علة الحكم في المقيس عليه فإنه يصح الاكتفاء به في تعدية الحكم إلى المقيس بشرطين :
( الأول ) : أن نعلم بأن العلة المنصوصة تامة يدور معها الحكم أينما دارت .
و ( الثاني ) : أن نعلم بوجودها في المقيس .
والخلاصة : إن القياس في نفسه لا يفيد العلم بالحكم ؛ لأنه لا يتكفل ثبوت الملازمة بين حكم المقيس عليه وحكم المقيس ، ويستثنى منه منصوص العلة بالشرطين اللذين تقدما . وفي الحقيقة إن منصوص العلة ليس من نوع القياس ( 1 ) كما سيأتي بيانه . وكذلك قياس الأولوية ( 2 ) .
ولأجل أن يتضح الموضوع أكثر نقول : إن الاحتمالات الموجودة في كل قياس خمسة ، ومع هذه الاحتمالات لا تحصل الملازمة بين حكم الأصل وحكم الفرع ،
شرح
( 1 ) بل هو من باب تطبيق القاعدة على مصاديقها .
القاعدة : كل مسكر حرام . هذه القاعدة تطبق على مصاديقها في الخارج .
( 2 ) فإن قياس الأولوية يدخل في باب الظواهر كقوله :فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ . . . ،فإن هذه الآية تدل بالأولوية على عدم الضرب ، فلا يوجد قياس باطل في المقام . وكذا تنقيح المناط فإنه ليس بقياس بل هو في قوة منصوص العلة .
وبعبارة أخرى نقول : إن القياس لا يفيد العلم إلّا إذا علمنا بالمناط والعلم بالمناط غير ممكن حصوله عند العقل ؛ لأن العقل لا مسرح له لإدراك ملاكات الشارع بل هي أمور توقيفية للشارع ، فيبقى القياس يفيد الظن فقط ، ولا دليل على حجيته .