3 - حجية القياس :
إن حجية كل أمارة تناط بالعلم - وقد سبق بيان ذلك في هذا الجزء أكثر من مرة - فالقياس ، كباقي الأمارات ، لا يكون حجة إلّا في صورتين لا ثالث لهما :
1 - أن يكون بنفسه موجبا للعلم بالحكم الشرعي .
2 - أن يقوم دليل قاطع على حجيته ، إذا لم يكن بنفسه موجبا للعلم .
وحينئذ : لا بد من بحث موضوع حجية القياس على الناحيتين ، فنقول :
1 - هل القياس يوجب العلم ؟ :
إن القياس نوع من « التمثيل » المصطلح عليه في المنطق - راجع ( المنطق ) للمؤلف 2 / 147 - 149 - وقلنا هناك : إن التمثيل من الأدلّة التي لا تفيد إلّا الاحتمال ؛ لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر ، بل في عدة أمور ، أن يتشابها من جميع الوجوه والخصوصيات .
نعم ، إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل والفرع وتعددت ، يقوى في النفس الاحتمال حتى يكون ظنا ويقرب من اليقين . والقيافة من هذا الباب . ولكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا .
غير أنه إذا علمنا - بطريقة من الطرق - أن جهة المشابهة علة تامة لثبوت الحكم في الأصل عند الشارع ، ثم علمنا أيضا بأن هذه العلة التامة موجودة بخصوصياتها في الفرع ، فإنه لا محالة يحصل لنا - على نحو اليقين - استنباط أن مثل هذا الحكم ثابت في الفرع كثبوته في الأصل ، لاستحالة تخلف المعلول عن علته التامة ، ويكون من القياس المنطقي البرهاني الذي يفيد اليقين ( 1 ) .
ولكن الشأن كل الشأن في حصول الطريق لنا إلى العلم بأن الجامع علة تامة للحكم الشرعي . وقد سبق في هذا الجزء ص 187 إن ملاكات الأحكام لا مسرح للعقول ، أو لا مجال للنظر العقلي فيها ، فلا تعلم إلّا من طريق السماع من مبلغ الأحكام الذي نصبه الله تعالى مبلغا وهاديا . والغرض من كون الملاكات لا مسرح للعقول فيها : إن أصل تعليل الحكم بالملاك لا يعرف إلّا من طريق السماع ؛ لأنه أمر توقيفي ، أما نفس وجود الملاك في ذاته فقد يعرف من طريق الحس ونحوه ، لكن لا بما هو علة وملاك ، كالإسكار فإن كونه علة للتحريم في الخمر لا يمكن معرفته من
شرح
( 1 ) وهذا ما يسمى بتنقيح المناط .