ومن المعلوم عند آل البيت « عليهم السلام » : إنهم لا يجوزون العمل به ، وقد شاع عنهم : « إن دين الله لا يصاب بالعقول » و « إن السنة إذا قيست محق الدين » . بل شنوا حربا شعواء لا هوادة فيها على أهل الرأي وقياسهم ما وجدوا للكلام متسعا .
ومناظرات الإمام الصادق « عليه السلام » معهم معروفة ، لا سيما مع أبي حنيفة ، وقد رواها حتى أهل السنة إذ قال له فيما رواه ابن حزم ( 1 ) : « اتق الله ولا تقس ، فإنا نقف غدا بين يدي الله فنقول : قال اللّه وقال رسوله وتقول أنت وأصحابك : سمعنا ورأينا » .
شرح
عن طريق الاستقراء الناقص أو القياس منهي عنه بأدلة النهي عن الظن . إلّا إذا خرج بالدليل .
ويعبر عن القياس المنهي عنه بالقياس التمثلي ويعرف بما يلي : « وهو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر لجهة مشتركة بينهما » .
وبعبارة أخرى هو : « إثبات الحكم في جزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له » . هذا القياس يجعله أهل السنة من أدلة الأحكام الشرعية ومصدرا للتشريع . والإمامية ينفون حجيته .
ومثاله : إذا ثبت عندنا أن الفقاع يشابه الخمر في تأثير السكر على شاربه ، وقد ثبت عندنا أن حكم الخمر هو الحرمة ، فلنا أن نستنبط أن الفقاع أيضا حرام أو على الأقل محتمل الحرمة للاشتراك بينهما في جهة الإسكار .
وهذا القياس التمثيلي لا يفيد إلّا الاحتمال . لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر أن يتشابها من جميع الوجوه . ويمثل الشيخ المظفر في كتابه المنطق : إذا رأيت شخصا مشابها لشخص آخر في طوله أو في ملامحه أو في بعض عاداته ، وكان أحدهما مجرما قطعا فإنه ليس لك أن تحكم على الآخر بأنه مجرم أيضا ، لمجرد المشابهة بينهما في بعض الصفات أو الأفعال ، نعم إذا قويت وجوه الشبهة بين الأصل والفرع وكثرت يقوى عند الاحتمال حتى يقرب من اليقين ويكون ظنا . والقيافة من هذا الباب ، فإنا قد نحكم على شخص أنه صاحب أخلاق فاضلة أو شريرة بمجرد أن نراه ؛ لأنا كنا قد عرفنا شخصا قبله يشبهه كثيرا في ملامحه أو عاداته وكان ذا خلق فاضل أو شريرا . . . ولكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا لأنه كما قلنا : غاية ما يفيد هو الظن ، والظن ليس بحجة ما لم يثبت بالدليل على حجيته على نحو مخصوص .
فلو كان العقل مستقلا في الحكم بحجية الظن بناء على دليل الانسداد على افتراض التسليم به ، وأن القياس يشكل ظنا فهو حجة بحكم العقل . مع التسليم بهذا الاستدلال إلّا إن العقل لا يحكم بحجية الظن مطلقا ومن غير قيد . وإنما يحكم بحجية الظن الذي لم ينه عنه الشارع ، فإذا ثبت هذا النهي بالقطع واليقين يخرج الظن المنهي عنه عن حكم العقل منذ البداية . ومعنى هذا : أن القياس خارج موضوعا عن حكم العقل . هذا كله مع التسليم بأن القياس الظني يمكن التسليم به من خلال حجية مطلق الظن . بينما نحن نقول : الأصل في الظن إنه ليس بحجة حتى يثبت بدليل أنه حجة ، والقياس إذا أفاد القطع فهو حجة لحجية القطع . وإلّا فلا .
( 1 ) إبطال القياس ، ص 71 . مطبعة جامعة دمشق 1379 ه .