. . . . .
شرح
فيلزم اجتماع المصلحتين ، سواء فسرنا الحجيّة بجعل الحكم الظاهري المماثل أم بجعل الطريقية ، وإن لم تكن ناشئة من ذلك - بأن فرض مثلا نشوؤها عن مصلحة في نفس الجعل أي : في نفس جعل الحجيّة للأمارة لا من مصلحة في صلاة الجمعة - فلا مشكلة حتى وإن فسرنا الحجيّة بجعل الحكم المماثل ؛ إذ لا يلزم اجتماع مصلحتين في صلاة الجمعة بل تكون إحداهما ثابتة فيها والأخرى في جعل الحجيّة للأمارة .
الجواب الثاني : وهو الجواب المنسوب إلى السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » : وحاصله : أنا نعلم أن الشارع المقدس شرّع شكلين من الأحكام الواقعيّة : المحرمات والمباحات ، فحكم على الخمر بالحرمة وعلى الخل بالحليّة . والمكلّف تارة : يحصل له العلم بأن هذا السائل خمر فيحكم بحرمته ، وأخرى :
يحصل له العلم بخليته فيحكم بإباحته ، ولكن ما هو الموقف حالة الشك ؟ فإذا واجه المكلّف سائلا يشك في أنه خل أو خمر فالشارع لا بد أن يحدد موقفه تجاه حالة الشك هذه ، ولأجل أن يتجلى المطلب أكثر افرض نفسك المشرع وافرض أنك حكمت بحرمة الخمر وحلية الخل ، وسألك عبدك عن حكم السائل المشكوك فجوابك لا يخلو من أحد شقين :
أ - أن تقول له : ضع السائل المشكوك أمامي لأشخّص أنه خمر أو خل ، أو يفرض أن الله سبحانه يلهم العبد بالواقع ، وهذا الطريق ليس عمليا وميسرا فلا بدّ من التفتيش عن طريق آخر .
ب - أن تجرى عملية موازنة بين مصلحة الخل ومفسدة الخمر ، فإن رأيت المفسدة أقوى أصدرت قرارا عاما بلزوم الاجتناب عن كل مشكوك تحفّظا منك على التجنب عن المفسدة التي هي أهم ؛ وإن لزم من ذلك التضحية بمصلحة الخل فيما لو كان المشكوك خلا واقعا ، وإن فرض العكس بأن أهميّة مصلحة الخل أصدرت قرارا عاما بإباحة كل مشكوك تحفّظا على مصلحة الخل ؛ وإن لزم من ذلك الوقوع في المفسدة فيما لو كان المشكوك خمرا واقعا .
وذاك القانون بحرمة كل مشكوك الذي هو عبارة أخرى عن جعل أصالة الاحتياط ، أو ذاك القانون بإباحة كل مشكوك الذي هو عبارة أخرى عن جعل أصل البراءة هو ما يصطلح عليه بالحكم الظاهري ، فإذا سألنا عن حقيقة الحكم الظاهري كان الجواب أنه الثابت حالة الشك الناشئ بسبب تقديم الملاك الأهم .
ولو فتّشنا عن ملاك الحكم الظاهري بإباحة المشكوك أو حرمته وجدنا أن ملاكه نفس ملاك الحكم الواقعي بمعنى : أن مفسدة الخمر - التي هي الملاك لتشريع الحرمة الواقعية - هي بنفسها الموجب لتشريع الحكم الظاهري بحرمة كل مشكوك ، فهي على هذا سبب لنشوء حكمين ، فإنها سبب للحكم الواقعي بحرمة الخمر ، وسبب الحكم الظاهري بحرمة كل مشكوك . ومن هنا اتضح توجيه المقالة السابقة وهي إن ملاك الحكم الظاهري لا يغاير ملاك الحكم الواقعي بل هو هو .
وبهذا البيان يندفع الإشكال الأول لابن قبة حيث كان يقول : إن تشريع حجيّة الأمارة والأصل يلزم منه اجتماع حكمين : الواقعي والظاهري ، ووجه الاندفاع : إن الاجتماع المذكور لا محذور فيه ، فإن الحكمين بما هما اعتباران لا تنافي بينهما لسهولة مئونة الاعتبار ، وإن لاحظنا مبادئ الحكمين فلا اجتماع لها ، حيث أن الحكم الظاهري ليس له مبادئ مستقلة ليلزم اجتماع المبدأين المتماثلين أو