تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
اعتبارها وحجيتها ؛ لأن حجيتها ثابتة بالعلم . * * *
شرح
ما تقوله الأمارة يجعل الشارع مماثله ، ويسمى هذا المسلك مسلك جعل الحكم المماثل . وهناك فارق مهم بين المسلكين الأولين والمسلك الثالث ، فالأخير يتضمن جعل حكم ، بينما المسلكان الأولان لا يتضمّنان ذلك ؛ وإنما يتضمّنان جعل العلمية أو المنجزيّة لا أكثر . وبعد الفراغ من المقدمة المذكورة نعرج على جواب الميرزا . إنه يقول : إنّ إشكال اجتماع المثلين أو الضدين ينشأ من تفسير الحجيّة بالاحتمال الثالث ، إذ بناء عليه : إذا قامت الأمارة على وجوب الجمعة أو حرمتها نشأ حكم مماثل لما تقوله ، ويلزم اجتماعه مع الحكم الواقعي . هذا ولكن الصحيح تفسيرها بالاحتمال الأول : أي : جعلها علما وطريقا من دون أن يثبت على طبقها حكم جديد ؛ ليلزم عند اجتماعه مع الحكم الواقعي محذور اجتماع المثلين ، أو الضدين - هذا جواب النائيني - وقريب منه جواب الآخوند في الكفاية حيث قال : إن معنى جعل الحجيّة هو جعل المنجزيّة من دون جعل حكم على طبقها حتى يلزم محذور اجتماع المثلين ، إذا : جواب النائيني لا يختلف عن جواب الآخوند من حيث الروح سوى أن الأول فسّر الحجيّة بالمسلك الأوّل ، بينما الثاني فسّرها بالمسلك الثاني . وقد تسأل : لما ذا فسّر النائيني الحجيّة بجعل العلمية دون المنجزيّة كما اختاره الآخوند ، مع أن تفسيرها بذلك لعله أقرب إلى الصواب ، فإن المولى حينما يجعل شيئا معيّنا حجّة فلا يقصد من ذلك إلّا جعله موجبا لاستحقاق العقوبة على تقدير المخالفة ؟ والجواب : أن النكتة تكمن في إن الأمارة لا تفيد إلّا الظن فكيف يجعلها المولى منجّزة وموجبة لاستحقاق العقوبة ، والحال أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ترفض ذلك ، إن الأمارة ما دامت لا تفيد العلم فلا يمكن أن يجعلها المولى موجبة لاستحقاق العقوبة ، فلا بدّ أوّلا من جعل الأمارة علما لتصير مخالفتها بعد ذلك موجبة لاستحقاق العقوبة ، فإنه مع العلم تصح العقوبة سواء كان العلم علما حقيقيا أم كان ظنا رفع إلى درجة العلم . وأورد السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » على هذا الجواب الأول : بأن الميرزا يتصوّر أن المشكلة تنشأ من اجتماع حكمين ، ولذا حاول تفسير الحجيّة بالعلمية لكي لا يلزم ذلك ، بيد أن الصحيح إنها لم تنشأ من ذلك ، إذ مجرد اجتماع حكمين لا محذور فيه ، فإن الحكم مجرد اعتبار ، واجتماع الاعتبارين أمرّ معقول حتى في صورة تنافي متعلقهما ، فيمكن أن يعتبر وقت واحد ليلا ونهارا ، وهكذا في مقامنا يمكن اعتبار صلاة الجمعة واجبة ومحرمة في وقت واحد ، وإنما المشكلة تنشأ من اجتماع المصلحتين والمفسدتين أو المصلحة والمفسدة ، فإن الحكم الواقعي بوجوب الجمعة ناشئ عن مصلحة فيها وحجيّة الأمارة ناشئة عن مصلحة أخرى فيها أيضا ، فيلزم اجتماع المصلحتين ، إن المشكلة تكمن هنا لا في اجتماع الحكمين بما هما اعتباران حتى يحاول تغيير الحجيّة من جعل الحكم المماثل إلى جعل الطريقية ، ونحن نقول للميرزا : إن حجيّة الأمارة إذا كانت ناشئة من مصلحة أخرى في صلاة الجمعة