تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
وقد فاتهم إن الأصوليين إذ أخذوا بالظنون الحاصلة لم يأخذوا بها من جهة أنها ظنون فقط ، بل أخذوا بها من جهة أنها معلومة الاعتبار على سبيل القطع بحجيّتها ، فكان أخذهم بها في الحقيقة أخذا بالقطع واليقين ، لا بالظن والخرص والتخمين ( 1 ) .
شرح
( 1 ) نطرح هنا سؤالا وهو : هل يمكن للشارع جعل الأمارة والأصل العملي حجة أو لا ؟ وقد عنون هذا السؤال في كتب الأصوليين بعنوان إمكان التعبد بالأمارات فنسأل هل يمكن للمولى التعبد بالأمارات أم لا ؟ ذكر السيد الصدر « قدّس سرّه » في حلقته الثالثة الجزء الأول هذا المبحث في ضمن عنوان حجية القطع . وذكره فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني في شرحه هذا المبحث تحت عنوان الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية وإليك ما شرحه . قال فضيلة الأستاذ الشيخ باقر الإيرواني « حفظه الله » : إنه وقع كلام بين الأصولين في إن الشارع هل يمكنه جعل الأمارة والأصل العملي حجة أو لا ؟ نسب إلى ابن قبة - الذي هو أحد علمائنا المتقدمين - استحالة ذلك ، فخبر الثقة مثلا لا يمكن جعله حجة لما يأتي من محاذير . كما وأن المحاذير التي سننقلها لم يذكرها ابن قبة جميعا ، وإنما ذكر بعضها وأضيف إليه بعد ذلك بعض أخر . وترجع حصيلة المحاذير إلى أن الحكم الظاهري يتنافى والحكم الواقعي ولا يجتمع معه ، ومن هنا : فاللازم لدفع هذه المحاذير التوفيق الكامل بين الحكم الظاهري والواقعي بحيث يمكن اجتماع هذا مع ذاك ، ولهذا يطلق الأصوليون على هذا المبحث اسم مبحث الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ، وقد تفنن الأصوليون في كيفية الإجابة عن المحاذير المذكورة ، وقد تركت بعض الأجوبة تأثيرها على بعض المسائل الأصولية الأخرى ، الأمر الذي يعطي لهذا المبحث أهميته حتى عبّر السيد الشهيد « قدس سره » عن هذه المحاذير في مجلس درسه الشريف بأنها حرّكت عجلة علم الأصول . وتلك المحاذير أو الشبهات ثلاث : الأول : تقدم الكلام أن الأحكام الواقعية مشتركة بين الجميع ، ولازم ذلك اجتماع المثلين أو الضدّين ، فإن الحكم الواقعي لصلاة الجمعة إذا كان هو الوجوب مثلا وأدّت الأمارة التي أخذ بها المكلّف إلى الوجوب أيضا لزم اجتماع المثلين على صلاة الجمعة : الوجوب الواقعي والوجوب الظاهري . وإن أدّت الأمارة إلى الحرمة لزم اجتماع الضدين : الوجوب الواقعي والحرمة الظاهرية . وهذه الشبهة تسمى بشبهة التضاد ، وهي مبنية على القول باشتراك الأحكام الواقعية ، أما على القول بالتصويب - بمعنى : خلو الواقع عن الحكم في الجاهل - فلا تتم كما هو واضح . وقد تقول : ما المحذور في اجتماع الحكمين المتضادين أو المتماثلين ما دام أحدهما واقعيا والآخر ظاهريا ، وإنما المحذور - كما تقدم في الحلقة الثانية - يختص بما إذا كان الحكمان واقعيين أو ظاهريين ؟ والجواب : إن ما تقدم في الحلقة الثانية كان جوابا مؤقتا وإلّا فمجرد كون أحد الحكمين ظاهريا والآخر واقعيا لا يزعزع من المشكلة شيئا ، فإن كل واحد من الحكمين ما دام ناشئا عن مبادئ خاصة به فيلزم من اجتماع الحكمين اجتماع المصلحتين أو المفسدتين أو المصلحة والمفسدة ، وهذا المحذور يعم حالة ما إذا كان أحد الحكمين ظاهريا أو واقعيا كما هو واضح .
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 21 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني