تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وفي هذه الآية الأخيرة بالخصوص قد جعل ما أذن به أمرا مقابلا للافتراء عليه ، فما لم يأذن به لا بدّ أن يكون افتراء بحكم المقابلة بينهما ، فلو نسبنا الحكم إلى الله تعالى من دون إذن منه فلا محالة يكون افتراء محرّما مذموما بمقتضى الآية . ولا شك في : أن العمل بالظن والالتزام به على أنه من الله ومثبت لأحكامه يكون من نوع نسبة الحكم إليه من دون إذن منه ، فيدخل في قسم الافتراء المحرّم . وعلى هذا التقرير ، فالقاعدة تقتضي : إن الظن بما هو ظن لا يجوز العمل على مقتضاه ولا الأخذ به لإثبات أحكام الله مهما كان سببه ؛ لأنه لا يغني من الحق شيئا ، فيكون خرصا باطلا ، وافتراء محرّما . هذا مقتضى القاعدة الأولية في الظن بمقتضى هذه الآيات الكريمة ، ولكن لو ثبت بدليل قطعي وحجة يقينية أن الشارع قد جعل ظنا خاصا من سبب مخصوص طريقا لأحكامه ، واعتبره حجة عليها وارتضاه أمارة يرجع إليها ، وجوّز لنا الأخذ بذلك السبب المحقق للظن ، فإن هذا الظن يخرج عن مقتضى تلك القاعدة الأولية ، إذ لا يكون خرصا وتخمينا ولا افتراء . وخروجه من القاعدة يكون تخصيصا بالنسبة إلى آية النهي عن اتّباع الظن ( 1 ) ، ويكون تخصصا بالنسبة إلى آية الافتراء ( 2 ) لأنه يكون حينئذ من قسم ما أذن الله تعالى به ، وما أذن به ليس افتراء . وفي الحقيقة : إن الأخذ بالظن المعتبر الذي ثبت على سبيل القطع بأنه حجة لا يكون أخذا بالظن بما هو ظن وإن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظنا ، بل يكون أخذا بالقطع واليقين ، ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب للظن ، وسيأتي أن القطع حجة بذاته لا يحتاج إلى جعل من أحد . ومن هنا يظهر الجواب عما شنع به جماعة من الأخباريين على الأصوليين من أخذهم ببعض الأمارات الظنية الخاصة كخبر الواحد ونحوه ، إذ شنعوا عليهم بأنهم أخذوا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا .
شرح
( 1 ) ويعبّر عنه بالخروج الحكمي حيث يوجد حكم وهو حرمة العمل بالظن ، وخرج من هذا الحكم : الظن المخصوص ، وهي الأمارة التي قام عليها الدليل . ( 2 ) ويسمى هذا الخروج بالخروج الموضوعي ، فموضوع الحرمة هو الافتراء ، وحيث إن الظن المخصوص ليس بافتراء فلا حرمة .