1 - ألا يكون مانع من كون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في البناء والسيرة ، فإنه في هذا الفرض لا بد أن يستكشف أنه متحد المسلك معهم بمجرد عدم ثبوت ردعه ؛ لأنه من العقلاء بل رئيسهم . ولو كان له مسلك ثان لبيّنه ولعرفناه ، وليس هذا مما يخفى .
ومن هذا الباب : الظواهر وخبر الواحد ، فإن الأخذ بالظواهر والاعتماد عليها في التفهيم مما جرت عليها سيرة العقلاء ، والشارع لا بد أن يكون متحد المسلك معهم ؛ لأنه لا مانع من ذلك بالنسبة إليه وهو منهم بما هم عقلاء ولم يثبت منه ردع .
وكذلك يقال في خبر الواحد الثقة ؛ فإنه لا مانع من أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في الاعتماد عليه في تبليغ الأحكام ولم يثبت منه الردع .
أما الرجوع إلى أهل الخبرة : فلا معنى لفرض أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في ذلك ، لأنه لا معنى لفرض حاجته إلى أهل الخبرة في شأن من الشؤون حتى يمكن فرض أن تكون له سيرة عملية في ذلك لا سيما في اللغة العربية .
2 - إذا كان هناك مانع من أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء ، فلا بد أن يثبت لدينا جريان السيرة العملية حتى في الأمور الشرعية بمرأى ومسمع من الشارع ، فإذا لم يثبت حينئذ الردع منه يكون سكوته من قبيل التقرير لمسلك العقلاء . وهذا مثل الاستصحاب فإنه لما كان مورده الشك في الحالة السابقة فلا معنى لفرض اتحاد الشارع في المسلك مع العقلاء بالأخذ بالحالة السابقة ، إذ لا معنى لفرض شكه في بقاء حكمه ، ولكن لما كان الاستصحاب قد جرت السيرة فيه حتى في الأمور الشرعية . ولم يثبت ردع الشارع عنه فإنه يستكشف منه إمضاؤه لطريقتهم .
أما الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغة : فلم يعلم جريان السيرة العقلائية في الأخذ بقول اللغوي في خصوص الأمور الشرعية ، حتى يستكشف من عدم ثبوت ردعه رضاه بهذه السيرة في الأمور الشرعية .
3 - إذا انتفى الشرطان المتقدمان : فلا بد حينئذ من قيام دليل خاص قطعي على رضا الشارع وإمضائه للسيرة العملية عند العقلاء . وفي مقامنا ليس عندنا هذا الدليل ، بل الآيات الناهية عن اتباع الظن كافية في ثبوت الردع عن هذه السيرة العملية .
ثالثا : قيل : الدليل حكم العقل : لأن العقل يحكم بوجوب رجوع الجاهل إلى
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 208
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص٢٠٨