وهناك أصول اتبعها بعض القدماء لتعيين وضع الألفاظ أو ظهوراتها ، في موارد تعارض أحوال اللفظ . والحق : إنه لا أصل لها مطلقا ، لأنه لا دليل على اعتبارها . وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم ( ج 1 ، ص 85 ) .
وهي مثل : ما ذهبوا إليه من أصالة عدم الاشتراك في مورد الدوران بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز ( 1 ) ، ومثل : أصالة الحقيقة لإثبات وضع اللفظ عند الدوران بين كونه حقيقة أو مجازا .
أما إنه لا دليل على اعتبارها ، فلأن حجية مثل هذه الأصول لا بد من استنادها إلى بناء العقلاء . والمسلم من بنائهم هو ثبوته في الأصول التي تجري لإثبات مراد المتكلم ؛ دون ما يجري لتعيين وضع الألفاظ والقرائن . ولا دليل آخر في مثلها غير بناء العقلاء .
حجية قول اللغوي :
إن أقوال اللغويين لا عبرة بأكثرها في مقام استكشاف الألفاظ لأن أكثر المدونين للغة همهم أن يذكروا المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها من دون كثير عناية منهم بتمييز المعاني الحقيقية من المجازية إلّا نادرا ، عدا الزمخشري في كتابه ( أساس اللغة ) ، وعدا بعض المؤلفات في فقه اللغة .
وعلى تقدير أن ينص اللغويون على المعنى الحقيقي ، فإن أفاد نصهم العلم بالوضع فهو ، وإلّا فلا بد من التماس الدليل على حجية الظن الناشئ من قولهم . وقيل في الاستدلال عليه وجوه من الأدلّة لا بأس بذكرها وما عندنا فيها ( 2 ) :
شرح
( 1 ) ومثاله : إذا علمنا بأن لفظ الأسد موضوع حقيقة للحيوان المفترس ، وشككنا في أن لفظ الأسد هل هو موضوع للرجل الشجاع أم لا ؟ فإن كان هو موضوعا لمعنى الرجل الشجاع فهذا معناه أن لفظ الأسد لفظ مشترك ، وإذا قلنا : إنه معنى مجازي فهذا معناه أن لفظ الأسد حقيقة في المعنى الأول ( الحيوان المفترس ) ، ومجاز في المعنى الآخر ( الرجل الشجاع ) .
إذا : يدور الأمر بين لفظ الأسد في أنه هل لفظ مشترك أم له معنى حقيقي ومعنى مجازي ؟ نقول :
الأصل عدم الاشتراك . حينئذ : يثبت أن لفظ الأسد له معنى حقيقي ، وله معنى مجازي .
( 2 ) ومن الأدلّة : إجماع العلماء ، بل العقلاء على الرجوع إلى كتب اللغة عند وقوع الخلاف بينهم في معنى لفظ ، أو عدم فهمهم معناه . وفيه : أنه من الممكن أن يكون رجوعهم إليهم : إما من جهة المسامحة فيما إذا لم يكن متعلقا بما له أثر شرعي ، وإما من جهة حصول الوثوق والاطمئنان من قولهم في بعض الأحيان ، لا من جهة حصول الظن فقط ، وحجية قولهم مطلقا .