تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
ظاهرة وحجة باطنة ، فأما الظاهرة : فالرسل والأنبياء والأئمة « عليهم السلام » . وأما الباطنة : فالعقول » ( 1 ) . والحل لهذا التعارض الظاهري بين الطائفتين ، هو : أن المقصود من الطائفة الأولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام ومداركها ، في قبال الاعتماد على القياس والاستحسان ، لأنها واردة في هذا المقام ، أي : أن الأحكام ومدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال . وهو حق كما شرحناه سابقا . ومن المعلوم أن مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو : دعوى أن للعقل أن يدرك الأحكام مستقلا ويدرك ملاكاتها ، ومقصود من يعتمد على القياس هو : دعوى أن للعقل أن يدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس ( 2 ) . وهذا معنى الاجتهاد بالرأي . وقد سبق إن هذه الإدراكات ليست من وظيفة العقل النظري ولا العقل العملي ؛ لأن هذه الأمور لا تصاب إلّا من طريق السماع من مبلّغ الأحكام . وعليه : فهذه الطائفة من الأخبار لا مانع من الأخذ بها على ظواهرها ؛ لأنها واردة في مقام معارضة الاجتهاد بالرأي ، ولكنها أجنبية عما نحن بصدده وعما نقوله في القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي . كما أنها أجنبية عن الطائفة الثانية من الأخبار التي تثني على العقل وتنص على أنه حجة الله الباطنة ، لأنها تثني على العقل فيما هو من وظيفته أن يدركه ، لا على الظنون والأوهام ، ولا على ادعاءات إدراك ما لا يدركه العقل بطبيعته ( 3 ) .
شرح
( 1 ) راجع : كتاب العقل من أصول الكافي . وهو أوّل كتبه . ( 2 ) يقول أبو حنيفة : إن عقلي يدرك أن ملاك ثبوت الحرمة لتفاح مثلا هو كونه حامضا ، وعلى هذا الإدراك العقلي يذهب ويثبت الحرمة لأفراد الحامض الأخرى كالبرتقال ( المقيس ) ، فأثبت الحكم للمقيس بسبب إدراك ملاك المقيس عليه ( التفاح ) . وهذا معنى الاجتهاد بالرأي . ( 3 ) ولكن يوجد على هذه الطائفة اعتراض من قبل الأخباريين : بأن المراد من كون العقل حجة باطنة ، أي : ما كانت حجة في طريق إثبات أصول الدين ( التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد بيوم القيامة ) ، وأما كونها حجة باطنة في الأحكام : فهذا غير معلوم بل الأحكام بيد الشارع . والجواب على هذه المغالطة هي كالتالي : يرد عليهم : أولا : المفروض نحن نطالبكم بالدليل على هذا التفصيل ، فبعد تسليمكم بأنه حجة في الأصول فلما ذا لا يكون حجة في الفروع ؟ ثانيا : إن أدلة حجية القطع العقلي مطلقة ، ولا يفرق فيها في الموردين ( الأصول والفروع ) .