تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
هذه الدعوى الثانية ، إذ قلنا : الحق أن معنى استحقاق المدح ليس إلّا استحقاق الثواب ، ومعنى استحقاق الذم ليس إلّا استحقاق العقاب ، لا إنهما شيئان أحدهما يستلزم الآخر ؛ لأن حقيقة المدح والمقصود منه هو : المجازاة بالخير لا المدح باللسان ، وحقيقة الذم والمقصود منه هو : المجازاة بالشر لا الذم باللسان . وهذا المعنى هو الذي يحكم به العقل ، ولذا قال المحققون من الفلاسفة : ( إن مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه ) . وأرادوا هذا المعنى . بل بالنسبة إلى الله تعالى لا معنى لفرض استحقاق المدح والذم اللسانيين عنده ( 1 ) ، بل ليس مجازاته بالخير إلّا الثواب ، وليس مجازاته بالشر إلّا العقاب . وأما الشق الثاني من هذه الدعوى فالجواب عنه : أنه لما كان المفروض أن المدح والذم من القضايا المشهورات التي تتطابق عليها آراء العقلاء كافة فلا بد أن يفرض فيه أن يكون صالحا لدعوة كل واحد من الناس . ومن هنا نقول : إنه مع هذا الفرض يستحيل توجيه دعوة مولوية من الله تعالى ثانيا لاستحالة جعل الداعي مع فرض وجود ما يصلح للدعوة عند المكلف إلّا من باب التأكيد ولفت النظر . ولذا ذهبنا هناك إلى أن الأوامر الشرعية الواردة في موارد حكم العقل مثل : وجوب الطاعة ونحوها يستحيل فيها أن تكون أوامر تأسيسية ( أي : مولوية ) ، بل هي أوامر تأكيدية ( أي : إرشادية ) . وأما أن هذا الإدراك لا يدعو إلّا الفذ من الناس فقد يكون صحيحا ولكن لا يضر في مقصودنا ؛ لأنه لا نقصد من كون حكم العقل داعيا أنه داع بالفعل لكل أحد ، بل إنما نقصد - وهو النافع لنا - أنه صالح للدعوة ( 2 ) .
شرح
( 1 ) بمعنى : إن الشارع لا يمدح ولا يذم بلسان ، وإنما مدحه هو المجازاة بالخير ، وهو الثواب ، وأن ذمه المجازاة بالشر وهو العقاب . ( 2 ) وبعبارة واضحة نقول : قد يرد إشكال على المصنف بوجود تناقض في كلامه حيث أنه قال : لا بد أن يكون صالحا لدعوة كل الناس لأنها مما تطابقت عليها آراء العقلاء ، وهنا يقول : لا يدعو إلّا الأوحدي من الناس . الجواب : نقول مقصوده من كلامه الأول هو : كون الإدراك صالحا للدعوة لكل أحد لا فعلية الدعوة لكل أحد . بينما مقصوده من كلامه الثاني هو : فعلية الدعوة تختص بالفذ والأوحدي من الناس . حينئذ لا تناقض في المقام .