تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
لقد انتهى الأمر بنا في البحث السابق إلى أن الدليل العقلي ما أوجب القطع بحكم الشارع ، وإذا كان الأمر كذلك فليس ما وراء القطع حجة ، فإنه تنتهي إليه حجية كل حجة ، لأنه - كما تقدم ص 28 - هو حجة بذاته ، ولا يعقل سلخ الحجية عنه . وهل تثبت الشريعة إلّا بالعقل ؟ وهل يثبت التوحيد والنبوة إلّا بالعقل ؟ وإذا سلخنا أنفسنا عن حكم العقل فكيف نصدق برسالة ؟ وكيف نؤمن بشريعة ؟ بل كيف نؤمن بأنفسنا واعتقاداتها ؟ وهل العقل إلّا ما عبد به الرحمن ؟ وهل يعبد الديان إلّا به ؟
شرح
يكون عدمه قيدا في ثبوت المجعول ، فإذا علم بالجعل بالدليل العقلي لا يكون الحكم المجعول ثابتا فعند ما يقطع بالجعل بالدليل العقلي لا نقول : إن الجعل ليس ثابتا حتى يلزم التناقض ، وإنما يقال له : أيها القاطع بالجعل من الدليل العقلي لا يوجد مجعول في حقك وبهذا لا يرد محذور التناقض . ومثال للتوضيح : ففي قوله تعالى :وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ . . .هذه الآية نسميها بعالم الجعل ، وهذه الآية ليس فيها دلالة فعلية على المكلف بوجوب الحج عليه ، وإنما بعد تحقق الاستطاعة في الخارج مع جميع القيود المأخوذة في عالم الجعل حينئذ : يكون وجوب الحج فعليا . فالأخباريون قالوا : إن هذا المجعول الذي يعبر عنه فعلية الحكم هذا مقيد بقيد وهو عدم العلم بالجعل من الدليل العقلي ، بمعنى : إن الحكم لا يصبح فعليا إلّا إذا علمت بالجعل من الدليل الشرعي ، فمع العلم بالجعل من الدليل العقلي المجعول لا يكون فعليا ، وهذا لا محذور فيه لأنه لا يلزم منه سلب الحجية عن القطع لأن المكلف ليس قاطعا بالمجعول وإنما هو قاطع بالجعل من الدليل العقلي . نعم لا نستطيع أن نسلب الحجية عن القطع بالجعل . وغاية ما في الأمر : أن يقال للقاطع بالجعل من الدليل العقلي : لا يوجد مجعول في حقك وهذا لا محذور فيه . كأن يقال - في المثال - للمكلف المستطيع : إذا قطعت بوجوب الحج من الدليل الشرعي يكون وجوب الحج عليك فعليا إذا اجتمعت كل الشروط . وأما إذا قطعت بوجوب الحج من الدليل العقلي لا يكون وجوب الحج عليك فعليا « 1 » . ثم عقب السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » قائلا : فلا محذور في هذا التخريج ، ولكنه بحاجة إلى دليل شرعي على تقييد الأحكام الواقعية بالوجه المذكور ، ولا يوجد دليل من هذا القبيل ، وأما إذا كان الدليل العقلي ظنيا ، كما في الاستقراء الناقص والقياس ، وفي كل قضية من القضايا العقلية المتقدمة ، إذا لم يجزم بها العقل ولكنه ظن بها ، فهذا الدليل يحتاج إلى دليل على حجيته وجواز التعويل عليه ، ولا دليل على ذلك ، بل قام الدليل على عدم جواز التعويل على الحدس والرأي والقياس « 2 » .
هامش
( 1 ) تقريري لدروس فضيلة الأستاذ الشيخ هادي آل راضي للحلقة الثانية . ( 2 ) راجع : الحلقة الثانية ، ص 308 .