إن التشكيك في حكم العقل سفسطة ليس وراءها سفسطة ، نعم كل ما يمكن الشك فيه هو الصغريات ، أعني : ثبوت الملازمات في المستقلات العقلية أو في غير المستقلات العقلية . ونحن إنما نتكلم في حجية العقل لإثبات الحكم الشرعي بعد ثبوت تلك الملازمات . وقد شرحنا في الجزء الثاني مواقع كثيرة من تلك الملازمات ، فأثبتنا بعضها في مثل المستقلات العقلية ، ونفينا بعضا آخر في مثل مقدمة الواجب ومسألة الضد . أما بعد ثبوت الملازمة وثبوت الملزوم فأي معنى للشك في حجية العقل ، أو الشك في ثبوت اللازم ، وهو حكم الشارع .
ولكن مع كل هذا وقع الشك لبعض الأخباريين في هذا الموضوع ، فلا بد من تجليته لكشف المغالطة ، فنقول :
قد أشرنا في الجزء الأول ، ص 367 ، إلى هذا النزاع ، وقلنا : إن مرجع هذا النزاع إلى ثلاث نواح ، وذلك حسب اختلاف عباراتهم :
الأولى : في إمكان أن ينفي الشارع حجية هذا القطع . وقد اتضح لنا ذلك بما شرحناه في حجية القطع الذاتية من هذا الجزء ، ص 28 ، فارجع إليه ، لتعرف استحالة النهي عن اتباع القطع .
الثانية : بعد فرض إمكان حجية القطع هل نهى الشارع عن الأخذ بحكم العقل ؟
وقد ادعى ذلك جملة من الأخباريين الذين وصل إلينا كلامهم مدعين إن الحكم الشرعي لا يتنجز ولا يجوز الأخذ به إلّا إذا ثبت من طريق الكتاب والسنة .
أقول : ومرد هذه الدعوى في الحقيقة إلى دعوى تقييد الأحكام الشرعية بالعلم بها من طريق الكتاب والسنة ، وهذا خير ما يوجه به كلامهم ، ولكن قد سبق الكلام مفصلا في مسألة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل ، ص 56 ، من هذا الجزء ، فقلنا : إنه يستحيل تعلق الأحكام على العلم بها مطلقا ، فضلا عن تقييدها بالعلم الناشئ من سبب خاص ( 1 ) ، وهذه الاستحالة ثابتة حتى لو قلنا بإمكان نفي حجية القطع ، لما قلناه من لزوم الخلف ، كما شرحناه هناك .
وأما ما ورد عن آل البيت « عليهم السلام » من نحو قولهم : « إن دين الله لا يصاب بالعقول » فقد ورد في قباله مثل قولهم : « إن لله على الناس حجتين : حجة
شرح
( 1 ) أي : من الكتاب والسنة .