ومن هنا قلنا سابقا : إن المستقلات العقلية تنحصر في مسألة واحدة ، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين ؛ لأنه لا يشارك الشارع حكم العقل العملي إلّا فيها ، أي :
إن العقل النظري لا يحكم بالملازمة إلّا في هذا المورد خاصة ( 1 ) .
وجه حجية العقل ( 2 ) :
4 - إذا عرفت ما شرحناه ، وهو أن العقل النظري يقطع باللازم - أعني : حكم
شرح
وأما الاتجاه الثاني : فقد قرب بأن جعل الشارع للحكم في مورد حكم العقل بالحسن والقبح لغو لكفاية الحسن والقبح للإدانة - أي : للعقاب - والمسؤولية والمحركية نحو الصدق - .
ويرد على ذلك : أن حسن الأمانة وقبح الخيانة مثلا وإن كانا يستنبطان درجة من المسؤولية والمحركية غير أن حكم الشارع على طبقهما يؤدي إلى نشوء ملاك آخر للحسن والقبح وهو طاعة المولى ومعصيته ، وبذلك تتأكد المسؤولية والمحركية ، فإذا كان المولى مهتما بحفظ واجبات العقل العملي بدرجة أكبر مما تقتضيه الأحكام العملية نفسها حكم على طبقها ، وإلّا فلا ، وبذلك يتضح إنه لا ملازمة بين الحكم العقلي العملي ، وحكم الشارع على طبقه ولا بينه وبين عدم حكم الشارع على طبقه ، فكلا الاتجاهين غير تام .
( 1 ) راجع البحث الرابع في أسباب حكم العقل العملي ج 1 ، ص 377 وما بعدها ؛ لتعرف السر في التخصيص بالآراء المحمودة .
( 2 ) هذا البحث بمثابة الكبرى لجميع المباحث العقلية بمعنى : إذا قلنا أن العقل أدرك الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، وأدرك العقل الملازمة بين حسن العدل وبين وجوبه شرعا . ولكن يبقى من قال :
أن الإدراك العقلي هذا حجة بحيث يمكن أن يعتمد عليه المجتهد في مقام الإفتاء ؟ هذا ما يتم بحثه هنا وهو هل الإدراك العقلي حجة أم لا ؟ فإذا كان الدليل العقلي قطعيا ومؤديا إلى العلم بالحكم الشرعي ، فهو حجة من أجل حجية القطع . وإذا كان الدليل العقلي ظنيا ، كما في الاستقراء الناقص والقياس فلا إشكال إنه ليس بحجة بل في كثير من الظنون كالقياس والاستقراء قام الدليل بعدم حجيتها .
قال السيد الشهيد الصدر « قدّس سرّه » : « إن الكلام وقع في حالة كون الدليل العقلي قطعيا فإن الأصوليين التزموا بحجيته بينما الأخباريين التزموا بعدم حجيته وقالوا : إن القطع بالحكم الشرعي حجة إذا كان ناشئا من الدليل الشرعي ( الكتاب والسنة ) فقط ، وأما إذا كان القطع بالحكم الشرعي ناشئا من الدليل العقلي فهو ليس بحجة . وذكر الأصوليون تفصيلا في القطع الطريقي بلحاظ أسبابه وأنه يوجد تفصيل في القطع بلحاظ أشخاص القاطعين ، وهذا التفصيل منسوب إلى الشيخ كاشف الغطاء « رحمه الله » وهو التفصيل بين قطع القطاع وبين قطع غير القطاع . فقطع القطاع ليس حجة ، وقطع غير القطاع حجة . بينما الأخباريون يفصلون في القطع بلحاظ أسباب القطع والمنشأ الذي يوجب حصول القطع فقالوا : إن القطع بالحكم الشرعي إذا نشأ من الأدلّة الشرعية المتعارفة ( الكتاب والسنة ) فهو حجة ، وأما إذا كان ناشئا من الدليل العقلي فهو ليس حجة . إلّا إن هذا لم ينج من الإشكال حيث يوجه على الأخباريين إشكال وهو : إن هذا غير ممكن لأن هذا عبارة عن سلب الحجية عن