تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
وحينئذ : بعد حكم العقل النظري بالملازمة يستكشف حكم الشارع على سبيل القطع ؛ لأنه بضم المقدمة العقلية المشهورة - التي هي من الآراء المحمودة التي يدركها العقل العملي - إلى المقدمة التي تتضمن الحكم بالملازمة - التي يدركها العقل النظري - يحصل للعقل النظري العلم بأن الشارع له هذا الحكم ؛ لأنه حينئذ يقطع باللازم وهو الحكم بعد فرض قطعه بثبوت الملزوم والملازمة .
شرح
الظلم ثابت بقطع النظر عن جعل أي جاعل كإمكان الممكن - فإن الشيء الممكن - ممكن ثابت واقعا ، وليس بجعل جاعل - كذلك الظلم ثابت قبحه ، والعدل ثابت حسنه واقعا وقبل أن يخلق الإنسان وليس بجعل جاعل . وأما التجربة : فلأن الملحوظ خارجيا عدم تبعية الحسن والقبح للمصالح والمفاسد ، فقد تكون المصلحة في القبيح أكثر من المفسدة فيه ، ومع هذا يتفق العقلاء على قبحه ، فقتل إنسان لأجل استخراج دواء مخصوص من قلبه يتم به إنقاذ إنسانين من الموت إذا لوحظ من زاوية المصالح والمفاسد فقط ، فالمصلحة أكبر من المفسدة ، ومع هذا لا يشك أحد في أن هذا ظلم وقبيح عقلا ، فالحسن والقبح إذا : ليسا تابعين للمصالح والمفاسد بصورة بحتة ؛ بل لهما واقعية تلتقي مع المصالح والمفاسد في كثير من الأحيان وتختلف معها أحيانا . والمشهور بين علمائنا الملازمة بين الحكم العملي العقلي والحكم الشرعي . وهناك من ذهب إلى استحالة حكم الشارع في موارد الحكم العملي العقلي بالحسن والقبح ، فهذان اتجاهان . أما الاتجاه الأول - المشهور - فقد قرب بأن الشارع أحد العقلاء وسيدهم ، فإذا كان العقلاء متطابقين بما هم عقلاء على حسن شيء وقبحه فلا بد أن يكون الشارع داخلا ضمن ذلك أيضا باعتباره سيد العقلاء فلا بد من أن يوافقهم ، إلّا أن هذا قد يرد عليه : بأن مقتضى كونه سيدهم قد يخالفهم وذلك لقصور عقولهم بمعنى : أن الله « عزّ وجلّ » باعتباره سيد العقلاء قد يلتفت « عزّ وجلّ » إلى نكتة غائبة عن العقلاء . ثم قال السيد الصدر « قدّس سرّه » في مقام الجواب : والتحقيق أنا تارة : نتعامل مع الحسن والقبح بوصفهما أمرين واقعيين يدركهما العقل ، وأخرى : بوصفهما مجعولين عقلائيين رعاية للمصالح العامة ، فعلى الأول : لا معنى للتقريب المذكور لأن العقلاء بما هم عقلاء إنما يدركون الحسن والقبح ، ولا شك في : أن الشارع يدرك ذلك ، وإنما الكلام في إنه هل يجعل حكما تشريعيا على طبقهما أو لا ؟ وعلى الثاني : إن أريد استكشاف الحكم الشرعي بلحاظ ما أدركه العقلاء من المصالح العامة التي دعتهم إلى التحسين والتقبيح ، فهذا استكشاف للحكم الشرعي بالحكم العقلي النظري لا العملي ؛ لأن مناطه هو إدراك المصلحة ولا دخل للحسن والقبح فيه - أي : في إدراك العقل العملي - وإن أريد استكشاف الحكم الشرعي بلحاظ حكم العقلاء وجعلهم الحسن والقبح فلا مبرر لذلك ، إذ لا برهان على لزوم صدور جعل من الشارع يماثل ما يجعله العقلاء - أي : لا برهان على لزوم صدور جعل من الشارع بوجوب الحسن يماثل الحسن الذي جعله العقلاء - .