تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
الإجماع ، ينبغي أن نجليها ونلتمس الحق فيها ، فإن لها كل الأثر في تقييم الإجماع من جهة حجيته . ولأجل أن تتوصل إلى الغرض المقصود لا بد من توجيه بعض الأسئلة لأنفسنا لنلتمس الجواب عليها : أولا : من أين انبثق للأصوليين القول بالإجماع ، فجعلوه حجة ودليلا مستقلا على الحكم الشرعي في مقابل الكتاب والسنة ؟ ثانيا : هل المعتبر عند من يقول بالإجماع اتفاق جميع الأمة ، أو اتفاق جميع العلماء في عصر من العصور ، أو بعض منهم يعتد به ؟ ومن هم الذين يعتد بأقوالهم ؟ أما السؤال الأول : فإن الذي يثيره في النفس ويجعلها في موضع الشك فيه : إن إجماع الناس جميعا على شيء أو إجماع أمة من الأمم بما هو إجماع واتفاق لا قيمة علمية له في استكشاف حكم الله ؛ لأنه لا ملازمة بينه وبين حكم الله . فالعلم به لا يستلزم العلم بحكم الله بأي وجه من وجوه الملازمة . نعم الشيء الذي يجب ألا يفوتنا التنبيه عليه في الباب أنا قد قلنا فيما سبق في الجزء الثاني وسيأتي : إن تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء في القضايا المشهورة العملية التي نسميها الآراء المحمودة ، والتي تتعلق بحفظ النظام والنوع يستكشف به الحكم الشرعي ؛ لأن الشارع من العقلاء بل رئيسهم وهو خالق العقل فلا بد أن يحكم بحكمهم ( 1 ) . ولكن هذا التطابق ليس من نوع الإجماع المقصود ، بل هو نفس الدليل العقلي الذي نقول بحجيته في مقابل الكتاب والسنة والإجماع . وهو من باب التحسين والتقبيح العقليين ( 2 ) ؛ الذي ينكره هؤلاء الذاهبون إلى حجية الإجماع . أما إجماع الناس - الذي لا يدخل في تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء - فلا سبيل إلى اتخاذه دليلا على الحكم الشرعي ؛ لأن اتفاقهم قد يكون بدافع العادة أو العقيدة أو الانفعال النفسي أو الشبهة أو نحو ذلك . وكل هذه الدوافع من خصائص البشر لا يشاركهم الشارع فيها لتنزهه عنها . فإذا حكموا بشيء بأحد هذه الدوافع
شرح
( 1 ) بل قد يقال : مقتضى الرئاسة أن يخالفهم أقلة في بعض الموارد ، وذلك لقصور العقل البشري . ( 2 ) وهو أن ما يحكم به العقلاء ( بحسن الشيء أو قبحه ) يحكم به الشرع .