لا يجب أن يحكم الشارع بحكمهم ، فلا يستكشف من اتفاقهم على حكم بما هو اتفاق أن هذا الحكم واقعا هو حكم الشارع .
ولو أن إجماع الناس بما هو إجماع - كيفما كان وبأي دافع كان - هو حجة ودليل ؛ لوجب أن يكون إجماع الأمم الأخرى غير المسلمة أيضا حجة ودليلا ، ولا يقول بذلك واحد ممن يرى حجية الإجماع .
إذا ! كيف اتخذ الأصوليون إجماع المسلمين بالخصوص حجة ؟ وما الدليل لهم على ذلك ؟ وللجواب عن هذا السؤال علينا أن نرجع القهقرى ( 1 ) إلى أول إجماع اتخذ دليلا في تاريخ المسلمين . إنه الإجماع المدعى على بيعة أبي بكر خليفة للمسلمين ، فإنه إذا وقعت البيعة له - والمفروض : إنه لا سند لها من طريق النص القرآني والسنة النبوية - اضطروا إلى تصحيح شرعيتها من طريق الإجماع فقالوا :
أولا : أن المسلمين من أهل المدينة أو أهل الحل والعقد منهم أجمعوا على بيعته .
وثانيا : أن الإمامة من الفروع لا من الأصول .
وثالثا : أن الإجماع حجة في مقابل الكتاب والسنة ، أي : إنه دليل ثالث غير الكتاب والسنة .
ثم منه توسعوا فاعتبروه دليلا في جميع المسائل الشرعية الفرعية ، وسلكوا لإثبات حجيته ثلاثة مسالك : الكتاب والسنة والعقل . ومن الطبيعي ألا يجعلوا الإجماع من مسالكه لأنه يؤدي إلى إثبات الشيء بنفسه ، وهو دور باطل .
أما ( مسلك الكتاب ) : فآيات استدلوا بها لا تنهض دليلا على مقصودهم ، وأولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين وهي قوله تعالى ( سورة النساء 114 ) :
وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً ،
فإنها توجب اتباع سبيل المؤمنين ، فإذا أجمع المؤمنون على حكم فهو سبيلهم فيجب اتباعه . وبهذه الآية تمسك الشافعي على ما نقل عنه .
ويكفينا في رد الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزالي منها إذ قال ( 2 ) : ( الظاهر أن المراد بها : أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته
شرح
( 1 ) أي : نرجع إلى الخلف .
( 2 ) المستصفى 1 : 111 .