وسر هذه السيرة : أن الاحتمالات الضعيفة المقابلة ملغية بنظرهم لا يعتنون بها ، فلا يلتفتون إلى احتمال تعمد الكذب من الثقة ، كما لا يلتفتون إلى احتمال خطئه واشتباهه أو غفلته .
شرح
الصدور ومشكوكه وموهومه .
وأما الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » فقد قرر هذا الوجه العقلي بقوله : « أولها ما اعتمدته سابقا ، وهو إنه لا شك للمتتبع في أحوال الرواة المذكورة في تراجمهم في أن أكثر الأخبار بل جلها إلّا ما شذ وندر صادرة عن الأئمة « عليهم السلام » ، وهذا يظهر بعد التأمل في كيفية ورودها إلينا وكيفية اهتمام أرباب الكتب من المشايخ الثلاثة ومن تقدمهم في تنقيح ما أودعوه في كتبهم » . إلى أن قال بعد الاستشهاد بكيفية تدوين الأحاديث وجمعها : « والمقصود مما ذكرنا : رفع ما ربما يكابره المتعسف الخالي عن التتبع من منع هذا العلم الإجمالي . ثم أن هذا العلم الإجمالي إنما هو متعلق بالأخبار المخالفة للأصل المجردة عن القرينة ، وإلّا فالعلم بوجود مطلق الصادر لا ينفع ، فإذا ثبت العلم الإجمالي بوجود الأخبار الصادرة فيجب بحكم العقل العمل بكل خبر مظنون الصدور ، لأن تحصيل الواقع الذي يجب العمل به إذا لم يمكن على وجه العلم تعين المصير إلى الظن في تعيينه توصلا إلى العمل بالأخبار الصادرة » .
وأما الفرق بين التقريرين فهو : أن الشيخ أفاد في تقريب الدليل : أن العلم الإجمالي بصدور جملة من الأخبار الموجودة فيما بأيدينا يوجب العمل بكل واحد من هذه الأخبار ، لأنه من أطراف العلم الإجمالي ، وأورد عليه أولا بقوله : « إن وجوب العلم بالأخبار الصادرة إنما هو لأجل وجوب امتثال أحكام الله الواقعية المدلول عليها بتلك الأخبار . . . إلى أن قال : وحينئذ نقول : إن العلم الإجمالي ليس مختصا بهذه الأخبار » . وحاصله : إن العلم الإجمالي لا تنحصر أطرافه بخصوص الأطراف ، إذ نعلم إجمالا بوجود الأحكام الواقعية في موارد الشهرات والإجماعات المنقولة أيضا ، ويلزم حينئذ وجوب العمل بجميع الأمارات من باب الاحتياط دون خصوص الأخبار . والمصنف قرر الدليل بنحو يخلو عن هذا الإشكال - يعني : إشكال عدم الانحصار - إذ قد عرفت في توضيح كلامه : أنه جعل دائرة العلم الإجمالي منحصرا في خصوص الأخبار ، بدعوى : أن الروايات المعلوم صدورها إجمالا تكون بمقدار الأحكام الواقعية ووافية بها ، وهذا يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير - أعني العلم الإجمالي بوجود الأحكام في موارد جميع الأمارات - بما في الأخبار المدونة في الكتب التي بأيدينا ، فلا موجب للاحتياط في جميع الأمارات كما هو مقتضى الإيراد المتقدم ، وعليه ، فهذا الوجه العقلي يختص بالأخبار ولا يكون أعم منها ومن سائر الأمارات ، فكلام الشيخ « قدّس سرّه » في تقرير هذا الوجه من الدليل العقلي أعم موردا من كلام المصنف « قدّس سرّه » في تقريره » « 1 » .
الوجه الثاني : في بيان وإثبات حجية خصوص خبر الواحد : فمن وجوه الدليل العقل . ما ذكره صاحب « الوافية » مستدلا على حجيّة الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة المعتمدة عند الشيعة مع
هامش
( 1 ) راجع منتهى الدراية في شرح الكفاية ، ج 4 ، ص 522 - 526 .