تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
العملية على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ، على الأخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنون إلى صدقه ويأمنون كذبه ، وعلى اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات . وهذه السيرة العملية جارية حتى في الأوامر الصادرة من ملوكهم وحكامهم وذوي الأمر منهم .
شرح
في روايات صادرة عن الأئمة « عليهم السلام » منقولة إلينا في ضمن مجموع ما بأيدينا من الأخبار المروية عنهم « عليهم السلام » ، وهذا ما يسمى بالعلم الإجمالي الصغير . وحينئذ فنقول : إنا نعلم إجمالا - بمقتضى الإجمالي الصغير - بصدور كثير من الأخبار التي بأيدينا عن الأئمة « عليهم السلام » بمقدار واف بمعظم الفقه بحيث لو علمنا تفصيلا بذلك المقدار الوافي لجاز لنا إجراء الأصول النافية في الشبهات الحكمية فيما عداه ، لعدم لزوم محذور من جريانها حينئذ من الخروج عن الدين أو المخالفة القطعية في جملة من الأحكام ، لكن حيث لا نعلم تفصيلا بذلك المقدار الوافي وإنما نعلم به إجمالا وجب بحكم العقل العمل بكل خبر مظنون الصدور ، لأن تحصيل الواقع الذي يجب العمل به - إذا لم يمكن على وجه العلم - تعين المصير إلى الظن في تعيينه والعمل به بسبب العمل بالأخبار المظنونة الصدور ، ولا يجب مراعاة أطراف العلم الإجمالي الكبير . والسر في ذلك هو انحلال العلم الإجمالي الكبير ، ذلك لأنه إذا تضيقت أطراف علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف الشرعية المنتشرة بين جميع الأمارات على كثرتها ، وانحصرت أطرافه في خصوص ما بأيدينا من الروايات التي علمنا إجمالا بصدور كثير منها لانحصرت التكاليف والأحكام الشرعية في هذه الأطراف ، ولخرجت بقية الأمارات عن أطراف العلم الإجمالي ، وكان الشك في ثبوت التكليف بالنسبة إليها بدويا ، مثلا : إذا فرضنا أن المعلوم لنا بالعلم الإجمالي الكبير مائة حكم إلزامي ، وعلمنا إجمالا - بالعلم الإجمالي الصغير - بصدور مائة رواية مما بأيدينا من الروايات متضمنة لتلك المائة من الحكم الإلزامي انحل العلم الإجمالي الكبير ، كما أنه لو فرضنا أنا علمنا تفصيلا بتلك المائة من الروايات انحل كلا العلمين الإجماليين الكبير والصغير معا ، ومقتضى الفرض الأول - أعني : انحلال العلم الإجمالي الكبير فقط - لزوم الأخذ بالروايات طرا ، لكونها من أطراف العلم الإجمالي الصغير ، وجواز إجراء الأصل النافي للتكليف في موارد سائر الأمارات مما هي من أطراف العلم الإجمالي الكبير ، لكون الشك في التكليف بالنسبة إليها بدويا كما عرفت . ونظير المقام : ما إذا علمنا إجمالا بأن في قطيع غنم مشتمل على سود وبيض مثلا عشرين غنما مغصوبا ، ثم قامت بينة على مغصوبية عشرين غنما في خصوص السود ، فإنه ينحل - بهذه البينة - العلم الإجمالي الكبير الذي كانت أطرافه مجموع السود والبيض ، فلا يجب الاجتناب إلّا عن خصوص السود ، لجريان قاعدة الحل في البيض ، لصيرورة الشك فيها بدويا كما هو واضح . فالمتحصل : أن العلم الإجمالي الصغير يوجب انحلال العلم الإجمالي الكبير ، والعمل بجميع الأخبار المثبتة وجواز العمل بالنافية ما لم يكن هناك أصل مثبت للتكليف ، فمقتضى هذا الوجه الأول العقلي اعتبار الأخبار فقط دون سائر الأمارات كما لا يخفى ، من غير فرق في وجوب العمل بين مظنون
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 142 | ابراهيم اسماعيل الشهركاني