والغرض : أن هذه الآية واردة في مورد ما هو بيّن واجب القبول سواء كتم أم ظهر ، لا في مورد يكون قبوله من جهة الإظهار حتى تكون ملازمة بين وجوب القبول وحرمة الكتمان فيقال : لو لم يقبل لما حرم الكتمان . وبهذا يظهر الفرق بين هذه الآية وآية النفر .
شرح
على أحد التفسيرين :
والتفسير الآخر : هو أن المراد بأهل الذكر هم الأئمة « عليهم السلام » فلا ربط له ، بحجية الخبر الواحد بالمعنى المصطلح عندنا « 1 » .
ثانيا : قال الشيخ الأنصاري « قدّس سرّه » : إن الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم ، لا وجوب السؤال للعمل بالجواب تعبدا - حتى يثبت به وجوب التعبد بالخبر الواحد - كما يقال في العرف : سل إن كنت جاهلا . ويؤيده : أن الآية واردة في أصول الدين وعلامات النبي كما ذكرنا في الإيراد الأول التي لا يؤخذ فيها بالتعبد إجماعا .
قال صاحب الكفاية في كفايته في مقام الرد على تقريب الاستدلال : « وقد أورد على الاستدلال بالآية :
بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر ، فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي ، فإنه بما هو راو لا يكون من أهل الذكر والعلم ، فالمناسب إنما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية . » .
إلّا أن صاحب الكفاية يرد على هذا الإيراد قائلا : « إن أهل العلم وإن كان لا يطلق اصطلاحا على من علم من طريق الحواس الظاهرة كما في المقام ، حيث أن الراوي يعلم كلام المعصوم « عليه السلام » بالسمع ، فلا يطلق عليه أهل العلم ، وإنما يطلق على خصوص من علم بالقوة الناطقة ، إلّا أن عدة من الرواة كانوا واجدين لمرتبتين : الفتوى والرواية ، فالآية تدل على حجية قوله من حيث إنه من أهل الذكر ، ويثبت اعتبار قوله من حيث كونه راويا بعدم الفصل في اعتبار الرواية بينه وبين من لا يكون إلّا راويا ؛ كجملة من الرواة الذين لم يكونوا من أهل الذكر ، يعني : كل من قال باعتبار رواية واجدا لمرتبتين قال باعتبار رواية الواجد لمرتبة الرواية فقط . كما يثبت اعتبار قول الراوي مطلقا بعدم الفصل أيضا بين ما يكون مسبوقا بسؤال وبين غيره ، فإن مقتضى هذه الآية وإن كان حجية قول أهل الذكر - دون الرواة - في خصوص ما يكون مسبوقا بالسؤال ، فيكون أخص من المدعى ، ولكن بعدم الفصل المزبور يتم المطلوب ، ويندفع إشكال الأخصية » « 2 » .
- ومن جملة الآيات التي استدل بها بعض المعاصرين على حجية خبر الواحد قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ .البقرة / 159 تقريب الاستدلال بهذه الآية هو : أن حرمة الكتمان ووجوب الإظهار يلازم وجوب القبول ، وإلّا يكون لغوا .
هامش
( 1 ) راجع كتاب منتهى الأصول .
( 2 ) منتهى الدراية ، ج 4 ، ص 489 .