هذه الناحية غير مشترط فيه بما يوجب العلم . وعلى هذا الأساس من الملازمة قلنا :
بدلالة آية النفر على حجية خبر الواحد وحجية فتوى المجتهد .
ولكن الإنصاف : إن الاستدلال لا يتم بهذه الآية الكريمة ، بل هي أجنبية جدا عما نحن فيه ؛ لأن ما نحن فيه - وهو حجية خبر الواحد - أن يظهر المخبر شيئا لم يكن ظاهرا ، ويعلّم ما تعلّم من أحكام غير معلومة للآخرين كما في آية النفر . فإذا وجب التعليم وجب قبوله على الآخرين وإلّا كان وجوب التعليم والإظهار لغوا ، وأما هذه الآية فهي واردة في مورد كتمان ما هو ظاهر وبيّن للناس جميعا ، بدليل قوله تعالى :
مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ
لا إظهار ما هو خفي على الآخرين ( 1 ) .
شرح
طريق إلّا أن يحرم الكتمان مطلقا أو لا يحرمه مطلقا ، ولما كان تحريم الكتمان في كلتا الصورتين هو الموافق للاحتياط فمن باب الاحتياط حرم المولى الكتمان في هذه الصورة أيضا . فإذا : تحريم الكتمان في هذه الصورة - أي : بداعي الاحتياط - لا يكون كاشفا عن الحجية وعن وجوب قبول قول المخبر .
( 1 ) ذكر وجه على أجنبية هذه الآية الشريفة ، عما نحن فيه وهو : « أن مورد الآية هو نبوة نبينا « صلى الله عليه وآله » ، ومن المعلوم : عدم حجية خبر الواحد فيها لكونها من أصول الدين ، فلا ربط لها بالفروع ، فالتعدي عن مورده إلى الفروع بلا وجه ، ولو بني على التعدي فلا يتعدى إلّا إلى مثلها مما هو من أصول الدين » « 1 » .
ومن جملة الآيات التي استدل بها بعض المعاصرين على حجية خبر الواحد : قوله تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ .سورة النحل / 43 .
تقريب الاستدلال : أن ظاهر الأمر بالسؤال هو وجوبه ، ووجوبه ملازم مع وجوب القبول ، وإلّا يكون وجوب السؤال لغوا ؛ لأنه لا فائدة في أن يسأل ولا يقبل .
قال الشيخ الأنصاري في مقام تقريب الاستدلال ما يلي : « بناء على أن وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب وإلّا لغى وجوب السؤال . وإذا وجب قبول الجواب وجب قبول كل ما يصح أن يسأل عنه ويقع جوابا له ، لأن خصوصية المسبوقية بالسؤال لا دخل فيه قطعا . فإذا سئل الراوي الذي هو من أهل العلم عما سمعه عن الإمام « عليه السلام » ، في خصوص الواقعة ، فأجاب بأني سمعته يقول كذا ، وجب القبول بحكم الآية . فيجب قبول قوله ابتداء : « إني سمعت الإمام « عليه السلام » يقول كذا » ، لأن حجية قوله هو الذي أوجب السؤال عنه ، لا إن وجوب السؤال أوجب قبول قوله » .
ويرد عليه : أولا : أن الآية وردت في أصول العقائد ، والمراد بأهل الذكر : أهل الكتاب من علماء اليهود والنصارى ، والمراد السؤال عنهم عن علائم النبوة الموجودة في التوراة والإنجيل ، حتى يحصل العلم له بنبوته « صلى الله عليه وآله » ، فيؤمن . ولا شك في : أن الخبر الواحد ليس حجة في أصول العقائد ، هذا
هامش
( 1 ) منتهى الدراية ، ج 4 ، ص 483 .