عامة للطرفين ، وقد أفاد ذلك شيخنا النائيني « قدّس سرّه » كما في تقريرات بعض الأساطين من تلامذته ، فإنه قال : ( إن التفقه في العصور المتأخرة وإن كان هو استنباط الحكم الشرعي بتنقيح جهات ثلاث : الصدور وجهة الصدور والدلالة ، ومن المعلوم :
أن تنقيح الجهتين الأخيرتين مما يحتاج إلى إعمال النظر والدقة ، إلا إن التفقه في الصدر الأوّل لم يكن محتاجا إلّا إلى إثبات الصدور ليس إلّا ، لكن اختلاف محقق التفقه باختلاف الأزمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه ، فكما أن العارف بالأحكام الشرعية بإعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه كذلك العارف بها من دون إعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة ) .
وبمقتضى عموم التفقه : فإن الآية الكريمة - أيضا - تدل على وجوب الاجتهاد في العصور المتأخرة عن عصور المعصومين وجوبا كفائيا ، بمعنى : أنه يجب على كل قوم أن ينفر منهم طائفة فيرحلوا لتحصيل التفقه وهو الاجتهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ، كما تدل أيضا - بالملازمة التي سبق ذكرها - على حجية قول المجتهد على الناس الآخرين ووجوب قبول فتواه عليهم .
الآية الثالثة - آية حرمة الكتمان ( 1 ) : وهي قوله تعالى في سورة البقرة 159 :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ
شرح
( 1 ) طريقة الاستدلال بهذه الآية على حجية خبر الواحد تكون ببيان أن الآية الشريفة يستفاد منها حرمة كتمان البينات والهدى ، وحرمة الكتمان معناه : وجوب الإبداء والإظهار ومقتضى إطلاق الآية هو أن الكتمان محرّم ، والإظهار يجب مطلقا أي : سواء كان المبدأ مفيدا للعلم أو لم يكن مفيدا للعلم .
هذا مقتضى التمسك بإطلاق الآية ، وبإطلاق حرمة الكتمان مطلقا . هذه النقطة الأولى في مقام الاستدلال .
- النقطة الثانية في مقام الاستدلال نقول : إن وجوب الإظهار ، والإبداء وحرمة الكتمان في صورة عدم إفادة قول المظهر العلم يستلزم وجوب القبول ؛ لأنّ وجوب الإظهار من دون وجوب القبول لا معنى له فلا معنى لأن يقال لإنسان : يجب عليك الإظهار ، ويقال للطرف المقابل : أنت لا يجب عليك قبول ما أظهره ذلك الشخص . فهناك تلازم عرفي واضح بين وجوب الإظهار ، وبين وجوب القبول . وأيضا يثبت وجوب القبول في حالة إظهار البيّنات ، وما أنزل الله من الهدى مع عدم إفادة قول المظهر العلم .
وما نريد أن نقوله في هذا المقام : إن وجوب القبول هو معنى حجيّة خبر هذا المظهر حتى لو لم يفد قوله العلم . ولا شك : أنه ينطبق على الروايات المنقولة التي يرويها الرواة المتضمنة لبيان الأحكام الشرعية ، ويصدق عليها أنها إظهار للهدى وللبينات فيجب القبول .
هذا الاستدلال تقع عليه عدة اعتراضات ذكرها السيد الصدر في حلقته الثانية وهي ما يلي :