التفصيلات .
والمقصود لنا الآن : بيان إثبات حجيته بالخصوص في الجملة في مقابل السلب الكلي ، ثم ننظر في مدى دلالة الأدلة على ذلك . فالعمدة أن ننظر أوّلا في الأدلة التي ذكروها من الكتاب والسنة والإجماع وبناء العقلاء ، ثم في مدى دلالتها :
أ - أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز :
تمهيد : لا يخفى : إن من يستدل على حجية خبر الواحد بالآيات الكريمة لا يدعي بأنها نص قطعي الدلالة على المطلوب ، وإنما أقصى ما يدعيه أنها ظاهرة فيه .
وإذا كان الأمر كذلك فقد يشكل الخصم : بأن الدليل على حجية الحجة يجب أن يكون قطعيا كما تقدم ، فلا يصح الاستدلال بالآيات التي هي ظنية الدلالة ؛ لأن ذلك استدلال بالظن على حجية الظن ، ولا ينفع كونها قطعية الصدور .
ولكن الجواب عن هذا الوهم واضح ، لأنه قد ثبت بالدليل القطعي حجية ظواهر الكتاب العزيز كما سيأتي ، فالاستدلال بها ينتهي بالأخير إلى العلم ، فلا يكون استدلالا بالظن على حجية الظن .
ونحن على هذا المبنى نذكر الآيات التي ذكروها على حجية خبر الواحد فنكتفي بإثبات ظهورها في المطلوب :
الآية الأولى - آية النبأ : وهي قوله تعالى في سورة الحجرات ( 6 ) :
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ .
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جهة مفهوم الوصف ومن جهة مفهوم الشرط ، والذي يبدو أن الاستدلال بها من جهة مفهوم الشرط كاف في المطلوب .
وتقريب الاستدلال يتوقف على شرح ألفاظ الآية أوّلا ، فنقول :
1 - ( التبيّن ) ، إن لهذه المادة معنيين :
( الأوّل ) : بمعنى : الظهور ، فيكون فعلها لازما ، فنقول : تبيّن الشيء ، إذا ظهر وبان .
ومنه قوله تعالى :
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ،
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ .
و ( الثاني ) : بمعنى : الظهور عليه ، يعني : العلم به واستكشافه ، أو التصدي للعلم به وطلبه ، فيكون فعلها متعديا ، فتقول : تبيّنت الشيء ، إذا علمته ، أو إذا تصديت للعلم