جديدا عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليونانية إلى العربية ، الذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ وكسبها إطارا يناسب الأفكار الفلسفية ، وإلّا فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة والتعقل والروية ، فهو يؤدي تقريبا معنى السفه أو الفعل السفهي عندما يكون عن غضب مثلا وحماقة وعدم بصيرة وعلم .
وعلى كل حال : هو بمعناه الواسع اللغوي يلتقي مع معنى الجهل المقابل للعلم الذي صار مصطلحا علميا بعد ذلك . ولكنه ليس هو إياه . وعليه ، فيكون معنى ( الجهالة ) : أن تفعل فعلا بغير حكمة وتعقل وروية الذي لازمه عادة إصابة عدم الواقع والحق .
إذا عرفت هذه الشروح لمفردات الآية الكريمة يتضح لك معناها وما تؤدي إليه من دلالة على المقصود في المقام :
إنها تعطي أن النبأ من شأنه أن يصدق به عند الناس ويؤخذ به من جهة أن ذلك من سيرتهم ، وإلّا فلما ذا نهى عن الأخذ بخبر الفاسق من جهة أنه فاسق ؟ فأراد تعالى أن يلفت أنظار المؤمنين إلى إنه لا ينبغي أن يعتمدوا كل خبر من أي مصدر كان ، بل إذا جاء به فاسق ينبغي ألا يؤخذ به بلا ترو ، وإنما يجب فيه أن يتثبّتوا أن يصيبوا قوما بجهالة ، أي : بفعل ما فيه سفه وعدم حكمة قد يضر بالقوم . والسر في ذلك : إن المتوقع من الفاسق ألا يصدق في خبره فلا ينبغي أن يصدق ويعمل بخبره .
فتدل الآية بحسب المفهوم على : أن خبر العادل يتوقع منه الصدق ، فلا يجب فيه الحذر والتثبت من إصابة قوم بجهالة . ولازم ذلك أنه حجة .
والذي نقوله ونستفيده وله دخل في استفادة المطلوب من الآية : أن النبأ في مفروض الآية مما يعتمد عليه عند الناس وتعارفوا الأخذ به بلا تثبت ؛ وإلّا لما كانت حاجة للأمر فيه بالتبيّن في خبر الفاسق ، إذا كان النبأ من جهة ما هو نبأ لا يعمل به الناس .
ولما علقت الآية وجوب التبيّن والتثبّت على مجيء الفاسق يظهر منه بمقتضى مفهوم الشرط : إن خبر العادل ليس له هذا الشأن ، بل الناس لهم أن يبقوا فيه على سجيتهم من الأخذ به وتصديقه من دون تثبت وتبين لمعرفة صدقه من كذبه ؛ من
المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 105
مساهمون: ابراهيم اسماعيل الشهركاني
ص١٠٥