علما ولا عملا ، وأوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم ، لأن خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه ، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا ) .
وأصرح منه قوله بعد ذلك : ( والعقل لا يمنع من العبادة بالقياس والعمل بخبر الواحد ( 1 ) . ولو تعبد الله تعالى بذلك لساغ ولدخل في باب الصحة ؛ لأن عبادته بذلك توجب العلم الذي لا بدّ أن يكون العمل تابعا له ) .
وعلى هذا فيتضح : أن المسلّم فيه عند الجميع أن خبر الواحد لو خلّي ونفسه لا يجوز الاعتماد عليه ؛ لأنه لا يفيد إلّا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا . وإنما موضع النزاع هو قيام الدليل القطعي على حجيته .
وعلى هذا : فقد وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة :
فمنهم من أنكر حجيته مطلقا ( 2 ) ، وقد حكي هذا القول عن السيّد المرتضى والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن إدريس ، وادعوا في ذلك الإجماع . ولكن هذا القول منقطع الآخر فإنه لم يعرف موافق لهم بعد عصر ابن إدريس إلى يومنا هذا .
ومنهم من قال : ( إن الأخبار المدونة في الكتب المعروفة لا سيما الكتب الأربعة مقطوعة الصدق ) ( 3 ) . وهذا ما ينسب إلى جماعة من متأخري الأخباريين ، قال الشيخ الأنصاري تعقيبا على ذلك : ( وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلّا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم ( 4 ) ، وإلّا فمدعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه . . . ) .
وأما القائلون بحجية خبر الواحد فقد اختلفوا أيضا : فبعضهم يرى أن المعتبر من الأخبار هو كل ما في الكتب الأربعة بعد استثناء ما كان فيها مخالفا للمشهور .
وبعضهم يرى أن المعتبر بعضها ، والمناط في الاعتبار عمل الأصحاب ، كما يظهر ذلك من المنقول عن المحقق في المعارج ، وقيل : المناط فيه عدالة الراوي أو مطلق وثاقته ، أو مجرد الظن بالصدور من غير اعتبار صفة في الراوي . . . إلى غير ذلك من
شرح
( 1 ) وأما عن ابن قبا فقال : العقل يحكم بعدم إمكان التعبد بالعمل بالخبر الواحد بل مطلق الظن .
( 2 ) أي : سواء كان الراوي ثقة أو عدلا أو غير ذلك .
( 3 ) والكتب الأربعة هي : 1 - من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق « قدّس سرّه » ، 2 - الكافي للكليني « قدّس سرّه » 3 و 4 - التهذيب والاستبصار للطوسي « قدّس سرّه » .
( 4 ) أي : للأخباريين .