به وطلبته . وعلى المعنى الثاني وهو التصدي للعلم به يتضمن معنى التثبت فيه والتأني فيه لكشفه وإظهاره والعلم به . ومنه قوله تعالى في سورة النساء ( 94 ) :
إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ،
ومن أجل هذا قرئ بدل فتبينوا : ( فتثبتوا ) ، ومنه كذلك هذه الآية التي نحن بصددها
إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا
وكذلك قرئ فيها ( فتثبّتوا ) ، فإن هذه القراءة مما تدل على أن المعنيين ( وهما التبيّن والتثبّت ) متقاربان .
2 -
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
يظهر من كثير من التفاسير : أن هذا المقطع من الآية كلام مستأنف جاء لتعليل وجوب التبيّن . وتبعهم على ذلك بعض الأصوليين الذين بحثوا هذه الآية هنا .
ولأجل ذلك قدّروا لكلمة
فَتَبَيَّنُوا
مفعولا ، فقالوا مثلا : ( معناه فتبيّنوا صدقه من كذبه ) ، كما قدّروا لتحقيق نظم الآية وربطها لتصلح هذه الفقرة أن تكون - تعليلا - كلمة تدل على التعليل بأن قالوا : ( معناها : خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، أو حذار أن تصيبوا ، أو لئلا تصيبوا قوما . . . ) ونحو ذلك .
وهذه التقديرات كلّها تكلّف وتمحّل لا تساعد عليها قرينة ولا قاعدة عربية . ومن العجيب أن يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار ويرسل إرسال المسلّمات .
والذي أرجحه : أن مقتضى سياق الكلام والاتساق مع أصول القواعد العربية أن يكون قوله :
أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً . . .
مفعولا لتبيّنوا ، فيكون معناه ( فتثبّتوا واحذروا إصابة قوم بجهالة ) .
والظاهر أن قوله تعالى :
فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ
يكون كناية عن لازم معناه ، وهو عدم حجية خبر الفاسق ، لأنه لو كان حجة لما دعا إلى الحذر من إصابة قوم بجهالة عند العمل به ثم من الندم على العمل به .
3 - ( الجهالة ) : اسم مأخوذ من الجهل أو مصدر ثان له ، قال عنها أهل اللغة :
( الجهالة : أن تفعل فعلا بغير العلم ) ثم هم فسروا الجهل بأنه المقابل للعلم ، عبروا عنه تارة : بتقابل التضاد وأخرى بتقابل النقيض ، وإن كان الأصح في التعبير العلمي أنه من تقابل العدم والملكة .
والذي يبدو لي من تتبع استعمال كلمة الجهل ومشتقاتها في أصول اللغة العربية :
أن إعطاء لفظ الجهل معنى يقابل العلم بهذا التحديد الضيق لمعناه جاء مصطلحا