شرح
كذلك فالملكية تسمى بالتوليدي والتسبيبي .
فإذا اتضحت هذه المقدمة ندخل في صلب الموضوع . والسؤال المطروح هو : هل النهي عن المعاملة يقتضي فسادها أم لا ؟
قال صاحب الكفاية : « إن النهي الدال على حرمتها لا يقتضي الفساد ، لعدم الملازمة فيها لغة ولا عرفا بين حرمتها وفسادها أصلا ، كانت الحرمة متعلقة بنفس المعاملة بما هو فعل بالمباشرة أو بما هو فعل يترتب عليه الملكية مثلا . . . » .
فالبيع المنهي عنه في يوم الجمعة حرام ، ولكن لو وقع البيع يكون صحيحا .
نعم : لو فرض أن النهي كان عن الشيء الذي لا يمكن النهي عنه مع صحة المعاملة . مثل : لا تتصرف بثمن البيع الحاصل مع الطفل ، فهذا يدل على أن البيع مع الطفل باطل . إذا : النهي عن التصرف بالثمن هنا إذا دل على شيء إنما يدل على فساد بيع الطفل .
إلا أن هذا خروج عن محل الكلام ، إذ الكلام عن النهي عن المعاملة ، وهنا لا يوجد نهي عن معاملة الصبي في ( لا تبع الصبي ) بل هنا النهي تعلق بالثمن بحسب الفرض ، والنهي عن الثمن ليس نهيا عن المعاملة فلا يدخل في محل الكلام . إذا : النهي عن المعاملة لا يقتضي فسادها .
إلا أن صاحب الكفاية لديه استدراك وهو : « نعم لا يبعد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها ، كما أن الأمر بها يكون ظاهرا في الإرشاد إلى صحتها من دون دلالة الأمر على إيجابها أو استحبابها كما لا يخفى » .
وبعبارة أكثر وضوحا نقول : ليس من البعيد دعوى ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها ، فحينما يقول المولى « عزّ وجل » : « لا تبع الصبي » و « لا تبع للمجنون » يستفاد منه النهي الإرشادي أي : إرشاد إلى أن العقل شرط في صحة البيع ، وإرشاد إلى أن البلوغ شرط في صحة البيع . إذا : ليس بعيدا أن ظهور كل نهي في المعاملة ظاهر في الإرشاد كالنهي عن البيع مع الصبي المقتضي لفسادها . ثم عقب صاحب الكفاية « قدس سره » قائلا : « لكن نفس البعد عن ظهور النهي في الإرشاد إلى الفساد إنما يكون في المعاملات بالمعنى الأخص وهي العقود والإيقاعات ، لا بمعناها الأعم وهو ما لا يعتبر فيه قصد القربة .
بل لو أمر به كان أمره توصليا كالأمر بتطهير الثوب والبدن ، فإن النهي عن المعاملة بالمعنى الأعم يحمل على ما تقتضيه القرينة الخارجية إن كانت ، وإلا فيحمل على معناه الحقيقي وهو الحرمة ، لكنها لا تدل على الفساد ، لما مر من عدم الملازمة بين الحرمة والفساد لا لغة ولا عرفا » « 1 » .
إذا : المراد من النهي في هل النهي عن المعاملة يقتضي فسادها أم لا ؟ هو النهي المولوي . وهو كما قلنا لا يقتضي الفساد .
ولا يبعد ظهور النهي عن المعاملة في الإرشاد إلى فسادها . فيكون المراد من النهي هنا : النهي الإرشادي .
والمعول في ذلك هو ملاحظة القرائن ، فإن كان هناك قرينة على إرادة النهي في الإرشادي فهو يقتضي فسادها ، وإذا كان هناك قرينة على إرادة النهي في المولوي فهو لا يقتضي فسادها . وإذا كان لا توجد
هامش
( 1 ) راجع : منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 3 ، ص 289 .