شرح
المورد الأوّل : تعلق النهي بالمسبب ، كالنهي عن بيع المصحف للكافر ، فلو لم يكن قادرا على هذا التمليك - بأن يوجد البيع بحيث يترتب عليه الأثر أعني : الملكية - لما صح النهي عنه .
إذا : النهي عن الملكية المقدورة من قبل الكافر يقتضي الصحة ، إذ لا يمكن النهي عن شيء إلا إذا كان ذلك الشيء مقدور ، فإذا نهاك المولى عن المسبب ( الملكية ) كأن يقول الله « عزّ وجل » للكافر : « لا تتملك المصحف » فالنهي عن ملكية المصحف يدل على قدرة الكافر على ملكيته ، وإلا فالنهي عنها يكون لغوا .
المورد الثاني : تعلق النهي بالتسبب يعني : إيجاد المسبب بهذا السبب الخاص ، فالنهي عن إيجاد المسبب بهذا السبب الخاص لازمه : أنه مقدور أي : أنه يمكن إيجاد المسبب بهذا السبب الخاص ، ولذا صح النهي عنه ، وهذا يعني : أن النهي عن المسبب بهذا السبب الخاص يقتضي صحته .
وبعبارة أخرى : « تعلق النهي بالتسبب كالظهار ، فإن التسبب به إلى الفراق بين الزوجين مبغوض ، فإن لم يترتب الفراق على الظهار كان النهي عن الظهار لغوا ، إذ المفروض : كون النهي عنه بلحاظ ترتب الأثر عليه ، لا بلحاظ كونه فعلا مباشريا كالبيع وقت النداء ، ففي هذين الموردين من المعاملات لا محيص عن دلالة النهي على الصحة ، لأن المنهي عنه هو المؤثر الذي يتوقف تأثيره على كونه صحيحا ، إذ الفاسد لا يصلح للسببية » « 1 » .
وأما العبادات : هل كلام أبي حنيفة يأتي في العبادات ؟ في مقام الجواب قال صاحب الكفاية في كفايته : إن العبادات على قسمين :
القسم الأوّل : ما تكون عباديته ذاتية - أي : من غير توقف عباديتها على قصد القربة - كالسجود ، والنهي في هذا القسم يدل على الصحة كما في المعاملات ، لأن متعلقه مقدور للمكلف ، لقدرته على إيجاد السجود مثلا وعدمه ، فلو فرض أنه أتى بالسجود المنهي لكانت عبادة صحيحة ، إذا لا تتوقف عباديته على الأمر به حتى لا يمكن إيجاده مع النهي عنه .
القسم الثاني : ما لا تكون عباديته ذاتية ، بل تتوقف على قصد القربة إذا تعلق به أمر ، وحيث أن عباديته متوقفة على قصد القربة المتوقف على الأمر به ، فإذا تعلق به نهي منع عن تعلق الأمر به ، لما مر في مبحث اجتماع الأمر والنهي من امتناع اجتماعهما في واحد بعنوانين ، فضلا عن عنوان واحد كما في المقام ، وحينئذ : فإذا لم يتعلق به الأمر كان غير مقدور ، لأن المفروض : توقف عباديته على تعلق الأمر به ، فإذا فرض تعلق النهي به وأتى به المكلف لم يكن صحيحا ، لأن الأمر لم يتعلق به حتى يصير عبادة صحيحة ، فالنهي عنه لا يدل على صحته . نعم لو فرض إمكان اجتماعهما في واحد بعنوان واحد كان النهي عنه دالا على صحته « 2 » .
هامش
( 1 ) راجع : منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 3 ، ص 295 .
( 2 ) منتهى الدراية في توضيح الكفاية ، ج 3 ، ص 296 .
ملاحظة : إن كل ما كتبته في مبحث دلالة النهي على الفساد هو من تقريراتي لفضيلة الأستاذ باقر الإيرواني ( بتصرف ) ، ويتخلله توضيحات ومعلومات ذكرت مصادرها بالحاشية .