ولأجل هذا أدرجنا نحن هذه المسألة في قسم الملازمات العقلية .
نعم قد يدعي بعضهم : أن هذه الملازمة - على تقدير ثبوتها - من نوع الملازمات البينة بالمعنى الأخص ، وحينئذ : يكون اللفظ الدال بالمطابقة على النهي دالا بالدلالة الالتزامية على فساد المنهي عنه ، فيصح أن يراد من الدلالة ما هو أعم من الدلالة اللفظية والعقلية .
شرح
واللفظ لا يدخل في محل النزاع ، لأن النزاع مرهون بوجود اللفظ ، فإذا وجد نقول : هل يدل على الفساد أم لا ؟
فمع عدم وجوده لفظا لا يدخل في محل النزاع مع هذا ملاك بحثنا يشمله لأن في قولنا : النهي اللفظي لما ذا يدل على الفساد ؟ لأن النهي يدل على الحرمة والحرمة تستلزم الفساد ، فهذه النكتة لا تتوقف على وجود اللفظ بل تتوقف على وجود الحرمة . إذا : الحرمة تقتضي الفساد سواء كان بوجود اللفظ الدال على الحرمة أم لا . إذا : إن النهي الغيري يدخل في محل النزاع ، ولكن إذا كان أصليا يدخل في العنوان وملاك البحث ، وإذا كان تبعيا يدخل في ملاك البحث دون عنوانه .
إلا أن الميرزا القمي صاحب القوانين قال : النهي الغيري خارج عن محل البحث لما ذا ؟ لأن المراد من النهي في العنوان النهي الذي يقتضي العقاب ، والنهي الغيري لا يقتضي العقاب بل فقط النهي النفسي هو الذي يقتضي العقاب . لأنا قلنا سابقا : موافقة أو مخالفة الواجب الغيري لا تستتبع العقاب ولا الثواب هنا نقول : كذلك موافقة النهي الغيري أو موافقته لا تستتبع العقاب والثواب .
إلا أن صاحب الكفاية يرد على الميرزا القمي قائلا : ما ذكره القمي باطل . لأن الكلام هنا في أصل النهي سواء استتبع عقابا أم لا .
الأمر الرابع : بيان المراد بالعبادة في المسألة : الغرض من عقد هذا الأمر بيان المراد بالعبادة التي يتعلق بها النهي . فحينما نقول : هل النهي عن العبادة يقتضي فسادها أم لا ؟
ما المراد من العبادة هنا ؟
للعبادة ثلاثة تفسيرات نذكرها ومن ثم نبين المراد منها .
التفسير الأوّل : العبادة هي ذلك العمل الذي أمر بها لأجل التعبد بها مثل : الصلاة فإنه « عزّ وجل » أمر بها لأجل التعبد بها .
التفسير الثّاني : العبادة هي ذلك العمل الذي يتوقف صحته على النية مثل : الصلاة فإن صحتها متوقف على أن يأتي بها بقصد القربة مع النية .
التفسير الثالث : العبادة ما أمر بها ، ولكن من دون أن تكون مصلحته منحصرة في شيء معين مثل :
الصوم ، والصلاة ، والحج . هنا لا نعلم بانحصار المصلحة فيها في شيء معين . وهذا يسمى بالواجب التعبدي .
بخلاف الواجب التوصلي مثل : غسل الثوب وتطهيره لأجل الصلاة ، فغسل الثوب مقدمة للصلاة ،