وعلى هذا البيان ، فالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع هي موضع البحث في هذه المسألة .
شرح
الجسم الثقيل بطبعه قابلا للطيران إلا بقاسر خارجي من جناح ، أو قوة خارقة للعادة ، فإنّه ليس ممتنعا برهانا ، لكنه بالقياس إلى عادم القاسر المزبور محال عقلا .
إذا عرفت هذه المقدّمة فاعلم : أن المراد بالمقدمة العادية ما هو مقدمة لما يمتنع بدونها عادة ؛ وإن لم يمتنع في نفسه عقلا كامتناع الصعود على السطح بدون نصب السلّم وغيره من أسباب الصعود ، فإنّه محال عادة وإن كان في نفسه ممكنا عقلا ، فوجوده بدون السبب محال عقلا . فلا محالة ترجع المقدمة العادية إلى العقلية ، لكون توقف الصعود على السطح لغير القادر فعلا على الطيران عقليا ، فالقدر المشترك بين السلّم ونحوه من المقدمات التي يترتب عليها الكون على السطح مقدمة عادية ، لجريان العادة على إيجاد الواجب - وهو الصعود على السطح - بتلك المقدمات لفاقد القدرة على الطيران فعلا وإن كان قادرا عليه عقلا « 1 » .
4 - مقدمة الوجود : وقد تم ذكرها في المقدمة الشرعية وهي : ما يتوقف عليها نفس الواجب كطيّ المسافة ، فإنّه مما يتوقف عليه وجود مناسك الحج للنائي . وكذلك الطهارة بالنسبة إلى الصلاة .
5 - مقدمة الصحة : وهي ما يتوقف عليها صحة الشيء كصحته المتوقفة على شرائطه ، كالطهارة ونحوها من الشروط بالنسبة إلى الصلاة فإنّها مما يتوقف عليها صحة الصلاة . ثم عقب صاحب الكفاية قائلا : لا يخفى رجوع مقدمة الصحة إلى مقدمة الوجود بناء على القول بأن الوضع للصحيح - وواضح : إن غير الصحيح ليس فردا للماهية المأمور بها حتى يكون وجودا لها - وأمّا بناء على الوضع للأعم من الصحيح والفاسد ؛ فلأنّ محل الكلام هو مقدمة الواجب لا مقدمة المسمى بالصلاة مثلا ، فالفرد الفاسد وإن كان فردا للمسمى لكنه ليس فردا للواجب ، لأنّ الواجب خصوص الصحيح ، فكل ما يتوقف عليه صحة الواجب كالطهارة للصلاة يعدّ مقدمة وجودية للواجب ، فمقدمة الصحة ترجع إلى مقدمة الوجود مطلقا وإن قلنا بوضع ألفاظ العبادات لخصوص الصحيحة « 2 » .
6 - مقدمة الوجوب : وهي مما يتوقف عليه وجوب الواجب كالبلوغ والعقل من الشرائط العامة ، والاستطاعة للحج من الشرائط الخاصة ، والزوال بالنسبة إلى وجوب الصلاة فلا وجوب قبل الزوال ، ويسمى الزوال بالمقدمة الوجوبية لأنه لا وجوب لصلاة إلا بالزوال ، وهذا يسمى أيضا بالتكليف المشروط . هذا بلحاظ عالم المجعول لا الجعل إذ التكليف في عالم الجعل ثابت ، وليس معلقا ومنوطا بالشرط فعلا ، فالجعل يتحقق بنفس هذا الإنشاء . ثم عقب صاحب الكفاية على هذه المقدمة قائلا :
ولا إشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع . ووجه خروجها عن محل النزاع : لعدم إمكان اتصاف مقدمة الوجوب بوجوب ذيها المشروط بنفس هذه المقدمة ، كالاستطاعة التي هي شرط وجوب الحج ، فإنها لا تتصف بهذا الوجوب المترتب عليها ، لأن الاستطاعة من قبيل جزء العلة لوجوب الحج ، فهي متقدمة على الوجوب تقدم العلة على المعلول ، فلا يعقل ترشح الوجوب عن
هامش
( 1 ) مزج بين متن الكفاية والشرح في منتهى الدراية ، ج 2 ، ص 126 - 127 . ( بتصرف ) .
( 2 ) مزج بين متن الكفاية والشرح في منتهى الدراية ، ج 2 ، ص 126 - 127 . ( بتصرف ) .