مقدمة الواجب من أي قسم من المباحث الأصولية ؟ وإذا اتضح ما تقدم في تحرير النزاع نستطيع أن نفهم أنه في أي قسم من أقسام المباحث الأصولية ينبغي أن تدخل هذه المسألة . وتوضيح ذلك : أن هذه الملازمة - على تقدير القول بها - تكون على أنحاء ثلاثة : إما ملازمة غير بينة ( 1 ) . أو بينة بالمعنى الأعم . أو بينة بالمعنى الأخص ( 2 ) .
فإن كانت هذه الملازمة - في نظر القائل بها - غير بينة أو بينة بالمعنى الأعم ، فإثبات اللازم - وهو وجوب المقدمة شرعا - لا يرجع إلى دلالة اللفظ أبدا بل إثباته إنما يتوقف على حجية هذا الحكم العقلي بالملازمة ، وإذا تحققت هناك دلالة ( 3 ) فهي من نوع دلالة الإشارة ( 4 ) ( 5 ) ، وعلى هذا : فيجب أن تدخل المسألة في بحث
شرح
( 1 ) ملازمة غير بينة : هي : ما لا يلزم من تصورها تصور الملزوم ، وهو يقابل البين مطلقا أي : سواء كان بينا بالمعنى الأخص أو بالمعنى الأعم ، وبتعبير آخر : إن التصديق بالملازمة لا يكفي فيه تصور الطرفين والنسبة بينهما بل يحتاج في إثبات الملازمة : إلى إقامة الدليل عليه مثل : الحكم بأن المثلث زواياه تساوي قائمتين ، فإن الجزم بهذه الملازمة يتوقف على البرهان الهندسي ، ولا يكفي تصور زوايا المثلث وتصور القائمتين وتصور النسبة للحكم بالتساوي . وبالجملة : غير البين هو ما كان لزومه نظريا .
( 2 ) ملازمة بينة : وتنقسم إلى قسمين : بينة بالمعنى الأعم ، وبينة بالمعنى الأخص . البينة بالمعنى الأعم :
هي ما يلزم من تصورها وتصور الملزوم وتصور النسبة بينهما الجزم بالملازم مثل : الاثنان نصف الأربعة أو ربع الثمانية ، فإنك إذا تصورت الاثنين قد تغفل عن أنها نصف الأربعة أو ربع الثمانية ، ولكن إذا تصورت أيضا الثمانية مثلا وتصورت النسبة بينهما تجزم أنها ربعها ، وكذا إذا تصورت الأربعة والنسبة بينهما تجزم أنها نصفها ، ومن هذا الباب لزوم وجوب المقدمة لوجوب ذي المقدمة ، فإنك إذا تصورت وجوب الصلاة وتصورت الوضوء تصورت النسبة بينه وبين الصلاة وهي توقف الصلاة الواجبة عليه وحكمت بالملازمة بين وجوب الصلاة ووجوب الوضوء . ويسمى بالبين بالمعنى الأعم لأنّه لا يفرق فيه بين أن يكون تصور الملزوم ( الصلاة ) كافيا في تصور اللازم ( الوضوء ) في انتقال الذهن إليه ، وتسمى بالملازمة الذهنية ( باعتبار أن تصور الملزوم كاف في تصور اللازم ؛ لأنّ الذهن ألف الملازمة بين اللازم وبين الملزوم ، فحينما يحضر في ذهنه صورة الصلاة يحضر الطرف الآخر وهو الوضوء ) ، وبين أن لا يكون كافيا بل لا بدّ من تصور اللازم وتصور النسبة لأجل الحكم بالملازمة .
( 3 ) أي : إذا تحقق دلالة اللفظ على الملازمة .
( 4 ) راجع دلالة الإشارة الجزء الأوّل ص 266 ، فإنه ذكرنا هناك إن دلالة الإشارة ليست من الظواهر ، فلا تدخل في حجية الظهور ، وإنّما حجيتها - على تقديره - من باب الملازمة العقلية . ( المصنّف ) .
( 5 ) وبالجملة : وجوب المقدمة لا يخلو إما أن يكون لازما غير بين أو لازما بينا بالمعنى الأعم ، وعلى كليهما يكون الحاكم بالملازمة هو العقل ولا علاقة للفظ في ذلك ، وأما إذا قلنا : بأن وجوب المقدمة لازم بين المعنى الأخص فحينئذ : يكون وجوب ذي المقدمة بنفسه ظاهرا في وجوب المقدمة . ولا