وبعبارة رابعة أكثر وضوحا : أن العقل - لا شك - يحكم بوجوب مقدمة الواجب ( أي : يدرك لزومها ) ؛ ولكن هل يحكم أيضا بأنها واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقف عليها ؟
شرح
مسؤولية تجاه قيود الواجب ، إذ لا وجوب لكي يكون الإنسان ملزما عقلا بامتثاله وتوفير كل ما له دخل في ذلك .
وأما مسؤولية المكلف تجاه قيود الواجب سواء كانت شرعية أو عقلية قبل الوجوب فهي مرفوعة بحسب مقتضى القاعدة ، إذ قبل الزوال لا وجوب للصلاة لكي يكون مسؤولا من ناحيته عن توفير المقدمات للصلاة ، وإذا ترك المقدمة قبل الزوال فلن يحدث وجوب عند الزوال ليبتلى بمخالفته لأنه سوف يصبح عند الزوال عاجزا عن الإتيان بالواجب ، وكل تكليف مشروط بالقدرة ، فلا ضير عليه في ترك إيجاد المقدمة قبل الزوال ، وكل مقدمة يفوت الواجب بعدم المبادرة إلى الإتيان بها قبل زمان الوجوب ، تسمى بالمقدمة المفوّتة ، وبهذا صح أن القاعدة تقتضي عدم كون المكلف مسؤولا عن المقدمات المفوتة .
ثم استدرك السيّد الشهيد الصدر « قدس سره » قائلا : ولكن قد يتفق أحيانا أن يكون للواجب دائما مقدمة مفوتة ، على نحو لو لم يبادر المكلف إلى إيقاعها قبل الوقت لعجز عن الواجب في حينه . ومثال ذلك : الوقوف بعرفات الواجب على من يملك الزاد والراحلة ، فإن الواجب منوط بظهر اليوم التاسع من عرفة ، ولكن لو لم يسافر المكلف قبل هذا الوقت ، لما أدرك الواجب في حينه ، وفي مثل ذلك لا شك فقهيا في أن المكلف مسؤول عن إيجاد المقدمة المفوتة قبل الوقت ، وقد وقع البحث أصوليا في تفسير ذلك وتكييفه ، وأنه كيف يكون المكلف مسؤولا عن توفير المقدمات لامتثال وجوب غير موجود بعد .
3 - المقدمة العادية : إن للمقدمة العادية معنيين :
أحدهما : أن يكون التوقف بحسب العادة ؛ بحيث يمكن تحقق ذي المقدمة من دون المقدمة ، إلا أن العادة جرت على الإتيان به بواسطتها كعدم الخروج من البيت إلا بلبس الحذاء ، والعادة اقتضت بعدم الخروج من المنزل إلا بلبس الحذاء . فهذه المقدمة وإن كانت راجعة إلى العقلية إلا إنّه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع . إذا : وجه عدم دخولها في محل النزاع هو : انتفاء المقدمية حينئذ حقيقة ؛ إذ المفروض : عدم توقف الصعود على السطح على نصب السلم إلا بحسب العادة ، لإمكان الصعود بالحبل أو غيره ، كإمكان الوعظ والتدريس بغير المنبر مع جريان العادة على إلقائهما على المنبر ، فالمقدمة العادية بهذا المعنى - مضافا إلى مغايرتها للمقدمة العقلية وعدم رجوعها إليها - ليست بمقدمة حقيقة ، فهي خارجة عن حريم نزاع وجوب المقدمة موضوعا .
ثانيهما : ما يرجع إلى المقدمة العقلية ، وتوضيحه منوط بتقديم مقدمة ، وهي أن الممتنع واقعا تارة : يكون امتناعه لأمر برهاني عقلي كالكون على السطح بدون طيّ المسافة ، حيث أنّه مترتب على الطفرة التي قام البرهان على امتناعها . وأخرى : لأمر طبيعي عادي كطيران الإنسان ، فإنّ امتناعه إنّما هو لعدم كون