شرح
جميع الموارد أو عدم الاحتياج ولو في مورد واحد ؟ فإن كان المقصود هو الأوّل لزم خروج كثير من المسائل الأصوليّة عن علم الأصول مثل : مسألة أن صيغة « افعل » ظاهرة في الوجوب ، وصيغة « لا تفعل » ظاهرة في الحرمة ، والجملة الشرطيّة ظاهرة في المفهوم ، وهكذا فيما لو فرض أن صيغة « افعل » أو « لا تفعل » أو الجملة الشرطيّة وردت في روايات ظنيّة الصدور يرويها الثقات ، فإن تحصيل الحكم من مثل الروايات المذكورة بحاجة إلى ضم قاعدة أخرى أصولية وهي أن خبر الثقة حجّة ، إذ من دون ضم هذه القاعدة لا يمكن الأخذ بالرواية واستنباط الحكم منها .
وإن كان المقصود هو الثاني - أي : أن المراد من عدم الاحتياج هو عدم الاحتياج ولو في مورد واحد - فاللازم من ذلك دخول مسألة ظهور الصعيد في علم الأصول فيما إذا وردت كلمة « الصعيد » في رواية قطعيّة من حيث السند والدلالة وبقيّة الجهات ؛ بحيث لا يكون تحصيل الحكم بحاجة لشيء سوى معرفة معنى كلمة « الصعيد » ، بنحو لو عرفنا أن معناها مطلق وجه الأرض مثلا كان الحكم بوجوب التيمم بذلك - أي : بمطلق وجه الأرض - ثابتا بلا حاجة إلى شيء آخر « 1 » .
2 - إن السيّد الخوئي « قدس سره » ذكر : بأنّ حجية الظهور قاعدة مسلّمة ومفروغ عن صحّتها عند جميع العقلاء ، فلا تكون مسألة أصوليّة .
أجاب السيّد الصدر « قدس سره » على هذا قائلا : كون المسألة مسلّمة بها ومفروغ عنها وواضحة عند جميع العقلاء لا يصير سببا لعدم كونها أصوليّة « 2 » .
ومن خلال هذا السرد : يتضح : إن كلتا الإجابتين عن الإشكال والاعتراض الثالث ليست تامة ، وعليه :
يكون الإشكال الثالث واردا على التعريف . ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التفكير للوصول إلى تعريف جامع مانع ليسلم من ورود الإشكال الثالث وأي إشكال ، ولذا ذهب السيّد محمد باقر الصدر إلى تعريف جامع مانع وهو أن علم الأصول عبارة عن « العلم بالعناصر المشتركة في استنباط الحكم الشرعي » ، ونلاحظ أن المائز بين تعريف السيّد الصدر وتعريف المشهور هو اشتمال تعريفه « قدس سره » على كلمة مشتركة ، وإلا فكلمة عناصر نفس كلمة القواعد على حد تعبير الشيخ باقر الإيرواني .
قال السيّد محمود الهاشمي « 3 » : ونلاحظ أنّ هذا التعريف يضع للمسألة الأصوليّة عدة خصائص .
الأولى : أن تكون عنصرا مشتركا لا يختصّ بباب دون باب من أبواب الفقه .
وتوضيح ذلك : إنّ الأدلة التي يمارسها الفقيه في مجال استنباط الحكم الشرعي تكون على قسمين :
1 - ما يكون دليلا خاصا معتمدا في استنتاج حكم فقهي معيّن ، من قبيل البحث عن مدلول كلمة ( الصعيد ) لغة ، فإنّه قد يستند إليه الفقيه كدليل على إثبات حكم شرعي في الفقه ؛ إلا إنه لا يكون عنصرا مشتركا يستدل به في أبواب فقهية متنوعة .
2 - ما يكون دليلا مشتركا سيالا في مختلف الأبواب الفقهية ، كالبحث عن تحديد مدلول صيغة
هامش
( 1 ) الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني ، ج 1 .
( 2 ) مباحث الدليل اللفظي ، ج 1 .
( 3 ) مباحث الدليل اللفظي ج 1 ، ص 31 .