ولكن دلالة الآية الأولى ، متوقفة على ظهور صيغة الأمر - نحو
أَقِيمُوا
هنا -
شرح
قد أجري بالفارسيّة بناء على اشتراط العربية في العقد - وكان المتبايعان يتخيّلان أنه صحيح واتضح لديهما بعد ذلك أنه فاسد . ولكن قبل اتضاح فساده لهما نفرض أن الكتاب تلف فعلى من تكون خسارته ؟ إنها على المشتري أيضا فهو الذي ينقص من كيسه مقدار قيمة الكتاب ، ولا يحق له الرجوع على البائع ومطالبته بالثمن ؛ لأن البيع ما دامت خسارة الكتاب فيه على المشتري لو كان صحيحا فكذلك خسارته عليه لو كان فاسدا ، ومن هنا قيل : كل معاملة إذا كان في صحيحها ضمان ففي فاسدها ضمان أيضا .
وإذا فرض الأمر بالعكس بأن لم يكن في المعاملة الصحيحة ضمان ففي الفاسدة أيضا لا ضمان ، فمثلا : لو استأجرت بيتا وبعد مدة تهدّمت بعض جدرانه من دون تفريط منك فهل تخسر هذا النقصان الطارئ أم لا ؟ الصحيح لا تخسره .
هذا لو كانت الإجارة صحيحة . أما لو كانت فاسدة وفرض تهدّم بعض الجدران قبل اطلاعك على فساد الإجارة فهل تضمن هذا النقصان ؟ كلا لا تضمن ، لأن الإجارة لو كان صحيحة فليس فيها ضمان فكذلك لو كانت فاسدة ، ومن هنا قيل : كل ما يضمن بصحيحه - الباء بمعنى « في » - يضمن بفاسده ، وكل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده ، وقد بحث الشّيخ الأنصاري « قدس سره » هذه القاعدة مفصلا في كتاب المكاسب .
إذا : هذه القاعدة الفقهية تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي ، حيث نستنبط منها أن البيع الفاسد فيه ضمان ، باعتبار أن البيع الصحيح فيه ضمان ، ونستنبط منها أيضا : إن الإجارة الفاسدة ليس فيها ضمان باعتبار إن الإجارة الصحيحة ليس فيها ضمان وهكذا .
إذا : يلزم من هذا أن تدخل هذه القاعدة الفقهية في علم الأصول .
وأيضا تدخل في علم الأصول قاعدتا لا ضرر ولا حرج ، وبعض القواعد الفقهية العملية كقاعدة الفراغ والتجاوز ، فإنّها جميعا يستنبط منها الحكم الشرعي أيضا كلّ بحسب مورده .
والجواب على الاعتراض الثاني : بأن القاعدة الأصولية لا تكون أصولية إلا إذا توفّر فيها ركنان :
1 - أن يستنبط منها حكم شرعي . 2 - أن يكون ذلك الحكم حكما كليا .
قال فضيلة الأستاذ باقر الإيرواني : إن كلا من هذين الركنين مفقود في القواعد الفقهية ، أما الركن الأول : فلأن مثل قاعدة « كل معاملة يضمن في صحيحها يضمن في فاسدها » هي بنفسها حكم شرعي لا إنه يستنبط منها حكم شرعي ، نعم هذه القاعدة قاعدة كلية قد تطبق على هذه المعاملة أو تلك ويثبت من خلال التطبيق الضمان في بعض المعاملات وعدمه في بعض آخر ، بيد إن هذا تطبيق وليس استنباطا ، وفرق واضح بين التطبيق والاستنباط ، ففي الاستنباط يكون لدينا شيئان متغايران أحدهما يثبت الآخر ، وينجز من دون أن يكون مصداقا وفردا له : نظير حجيّة خبر الثقة ، فإنه إذا كان حجة فقد يستفاد منه حرمة العصير العنبي أو وجوب قراءة السورة ، ومعلوم إن حجية خبر الثقة ليست هي نفس حرمة العصير بل هما حكمان متغايران ، غاية الأمر : أحدهما يثبت الآخر وينجزه ، هذا في الاستنباط . أما في التطبيق : فأحد المطلبين يكون مصداقا وفردا للآخر دون أن يغايره - وهذا كما في