من القرآن الكريم قوله تعالى :
شرح
وفي مقام توضيح هذا التعريف نقول : إن الفقيه إذا وقف أمام الآية الكريمة :وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها. [ النساء : 86 ] ، ويريد أن يستدل على وجوب رد التحية من هذه الآية . ما هو العمل ؟ يستعين الفقيه بقواعد خاصة من خلالها يصل إلى الحكم ، فيستعين بظهور صيغة الأمر في الوجوب ، ويستعين أيضا بحجية الظهور . فهاتان القاعدتان ممهدتان لاستنباط الحكم الشرعي بوجوب رد التحية إذا : نفهم من خلال هذا أن الفقيه استعان بقاعدتين هما :
1 - الأمر ظاهر في الوجوب . . . صغرى .
2 - كل ظهور حجة . . . كبرى .
النتيجة : رد التحية واجب .
إذا : ظهور الأمر في الوجوب والظهور حجة تشكلان قاعدتين أصوليتين لأنهما وقعتا في طريق الاستنباط للحكم الشرعي ، وكل قاعدة وقعت في طريق استنباط الحكم الشرعي فهي قاعدة أصولية .
وذهب إلى هذا التعريف مشهور الفقهاء إلى أن جاء صاحب الكفاية وعرفه « بأنها ما يعرف بها القواعد التي تقع في طريق استنباط الأحكام أو التي ينتهي إليها في مقام العمل » . وسوف نعرف لما ذا اختار صاحب الكفاية « قدس سره » هذا التعريف دون الأول .
وبعد هذا السرد المختصر للتعريف المشهور نذكر الاعتراضات التي وجهت إليه ، وهذه الاعتراضات ذكرها السيّد محمّد باقر الصدر في حلقاته الأصولية وهي أربعة :
الاعتراض الأوّل : على تعريف المشهور لهذا العلم لا يشمل الأصول العمليّة مع أنها من أمّهات المسائل الأصوليّة ، والوجه مع عدم شموله لها : أن الأدلّة التي يستعين بها الفقيه في مقام الاستنباط قسمان : أمارات وأصول عمليّة ، فإذا شكّ الفقيه أن التدخين حرام أو لا فإن كانت لديه أمارة - كخبر الثقة - تدل على الحرمة مثلا ثبت عنده حينذاك الحكم الشرعي وهو أن التدخين حرام ، فإن الأمارة هنا وقعت في طريق الاستنباط الحكم الشرعي ، أما إذا لم تتوفر للفقيه أمارة يحدد من خلالها الوظيفة الشرعية للمكلف ما ذا يصنع الله « عزّ وجل » ؟ هل يجعل الله المكلف في حيرة في مقام العمل بأن لا يدري هل التدخين حرام أم حلال ؟ ولأجل رفع هذه الحيرة عند المكلف نصب الله عزّ وجل الأصول العمليّة .
إذا : الأصول العملية تأتي في مرتبة متأخرة بعد فقدان الأمارة والعجز منها عن تحديد الحكم الشرعي فتقول الأصول العملية : إذا عجزت عن تحديد الحكم الشرعي من خلال الأمارة فوظيفتك العمليّة إباحة التدخين ، فإن الأصول العمليّة لا يكون مفادها حكما شرعيا ، ولا يتوصل بها إلى حكم شرعي كالأصول العقلية من البراءة والاشتغال ، فإن مفادها ليس إلا المعذرية أو المنجزية .
إذا : الأصول العملية ليست من المسائل الأصوليّة بمقتضى تعريف المشهور ؛ لأنها لا تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بل وصلاحيتها فقط تحديد الوظيفة الشرعية عند فقدان الأمارة .
الجواب على هذا الاعتراض : ظل تعريف المشهور لعلم الأصول هو السائد ، إلى أن خالفه صاحب الكفاية نتيجة لبعض الاشكالات