على أحدهما بوجه من الوجوه . وإنما يستفاد أحدهما من القرائن الخارجية التي تختلف باختلاف المقامات .
والحق : هو الأخير ( 1 ) ، والدليل عليه : ما عرفت من أن صيغة افعل إنما تدل على النسبة الطلبية ، كما أن المادة لم توضع إلّا لنفس الحدث غير الملحوظ معه شيء من خصوصياته الوجودية ( 2 ) . وعليه ، فلا دلالة لها - لا بهيئتها ولا بمادتها - على الفور أو التراخي ، بل لا بد من دال آخر على شيء منهما ، فإن تجردت عن الدال الآخر :
فإن ذلك يقتضي جواز الإتيان بالمأمور به على الفور أو التراخي ( 3 ) .
هذا بالنظر إلى نفس الصيغة ، أما بالنظر إلى الدليل الخارجي المنفصل : فقد قيل :
بوجود الدليل على الفور في جميع الواجبات على نحو العموم ؛ إلّا ما دل عليه دليل خاص ينص على جواز التراخي فيه بالخصوص . وقد ذكروا لذلك آيتين :
( الأولى ) : قوله تعالى في سورة آل عمران : 133 :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ .
وتقريب الاستدلال بها : إن المسارعة إلى المغفرة لا تكون إلّا بالمسارعة إلى سببها ، وهو الإتيان بالمأمور به ، لأن المغفرة فعل الله تعالى فلا معنى لمسارعة العبد إليها . وعليه : فيكون الإسراع إلى فعل المأمور به واجبا لما مر من ظهور صيغة افعل في الوجوب .
( الثانية ) : قوله تعالى في سورة البقرة : 148 ، والمائدة 48 :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ،
فإن الاستباق بالخيرات عبارة أخرى عن الإتيان بها فورا .
شرح
( 1 ) هذا ما ذهب إليه صاحب الكفاية « قدّس سرّه » وغيره من العلماء .
( 2 ) كحدث الصوم في قولك : « صم » ، وبعبارة أخرى : إن قولك « صم » فيه هيئة ، ومادة الهيئة تدل على طلب الصوم ، والمادة تدل على نفس حدث الصوم ، لا أنّها تدل على حدث الصوم مقيدا بقيود زائدة كقيد التراخي أو الفورية ، وعليه : فإطلاق الصيغة لا يقتضي أحدهما . وبعبارة أخرى : أن صيغة الأمر مركبة من هيئة ومادة ، والهيئة تدل على النسبة الطلبية والمادة تدل على طبيعي الحدث لا بشرط .
فأين الدال على الفور أو التراخي ؟
( 3 ) يذكر صاحب الكفاية دليلا على عدم دلالة الصيغة على شيء منها : تبادر طلب إيجاد الطبيعة من الصيغة بمعنى : أن تبادر مطلوبية نفس الطبيعة من الصيغة من دون تقيدها بالفور أو التراخي يدل على عدم دخل شيء منهما في معنى الصيغة ، وإلا لكان متبادرا أيضا ، فالتقييد بأحدهما منوط بدليل خارجي .