تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المفيد في شرح أصول الفقه — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فالمحتاج إلى مزيد البيان على أصل الصيغة : هو الواجب الكفائي ، فإذا لم ينصب المولى قرينة على إرادته - كما هو المفروض - يعلم أن مراده الوجوب العيني .
شرح
إطلاق وجوب إنقاذ كلّ منهما بترك الآخر ، فيصير الوجوب في كلّ منهما مشروطا . وليس الواجب الكفائي كذلك ، لوحدة الملاك فيه ، فجميع الخطابات الكفائية لا تحكي عن ملاكات عديدة ، بل عن ملاك واحد ، فلا يتمشى فيها الاشتراط المزبور . الخامس : أن يكون الوجوب بالنسبة إلى كلّ واحد مشروطا بعدم بناء الآخر على الإتيان بالفعل ، فإذا علم واحد من المكلفين ببناء غيره على الترك وجب ، فمع العلم بالبناء على الفعل لا يجب على الغير ، ولذا مع الشك في العزم على الإتيان به - لأنه شكّ في التكليف - تجري فيه البراءة . والحاصل : أن الوجوب منوط بإحراز بناء الغير على الترك ، فما لم يحرز هذا البناء الذي هو شرط الوجوب لا يحكم به ، هذا وفيه : أوّلا : ما تقدم من : أنّه إنكار للوجوب الكفائي ، لرجوعه إلى الوجوب العيني المشروط . ومن : إنّه لا يتّصف الفعل من أحد منهم بالوجوب إذا بنى الجميع على الإتيان به ، لعدم تحقق شرط وجوبه ، وهو البناء على الترك . وثانيا : أن لازمه سقوط الوجوب عن الباقين بمجرّد بناء بعض على الإتيان به ، بل عدم ثبوته في حق الباقين بمجرد بناء غيرهم على الفعل ولو لم يشرع بعد فيه فضلا عن إتمامه . وهذا خلاف ما ذكروه في الواجبات الكفائية : من أنّ سقوطها منوط بالإتيان بتمام الواجب ، أو الشروع فيه . وأما مجرد البناء على الفعل ، فلم يدلّ دليل على مسقطيّته عن الغير . فالحق - على حد تعبير المروج « حفظه الله » - هو الأول ، أعني : تعلق الوجوب الكفائي بكلّ واحد من المكلّفين على سبيل العموم الاستغراقي ، كتعلق الوجوب العيني بهم ، بأن يقال : أن الوجوب سنخ واحد سواء أكان عينيا أم كفائيا ، أم تخييريا أم تعيينيا ، فإنّ تعلقه بمعيّن ترجيح بلا مرجح ، فلا بدّ من أن يتعلق بالجميع كالوجوب العيني ، ولا فرق بينهما من هذه الحيثية ، فالتكليف كالمكلف به متعدد في كلّ من الوجوب العيني والكفائي ، فكما يتعلق الوجوب العيني المتوجّه إلى كلّ واحد من المكلفين بفعل نفسه لا بفعل غيره ، فكذلك الوجوب الكفائي ، فإذا امتثل الكلّ استحقوا الثواب ، وإذا عصوا استحقوا العقاب ، بمعنى : استحقاق كل واحد منهم عقابا مستقلا كما في الواجبات العينية . فالفرق : بين العيني والكفائي هو : أنّه إذا بادر أحدهم إلى الامتثال سقط عن الباقين والكفائي ، دون العيني ، ومنشأ هذا الفرق هو : ارتفاع موضوع التكليف بهذه المبادرة في الواجب الكفائي ، حيث أنّ موضوع وجوب التجهيز - مثلا - الميّت الذي لم يجهز ، فتجهيزه مرة واحدة يخرجه عن هذا الموضوع ، وإلا فليس اختلاف في حقيقة الوجوب حتى يفرّق فيه بين العيني والكفائي ، بل الاختلاف إنّما هو في متعلق الوجوب ، لخصوصية أخذت فيه ، لما عرفت : من أن متعلّق الوجوب الكفائي متخصص بخصوصيّة ترتفع بمبادرة واحد منهم إلى الامتثال ، وليس متعلّق الوجوب العيني كذلك ، هذا :