شرح
المتكلمين السابق ليس اختلافا في معنى الصحة ، بل لما كان المهم البحث عند الفقهاء يختلف عنه عند المتكلمين ، عرّف كل منهما الصحة بلازمها المهم بنظرة ، فلما كان المهم لدى الفقهاء هو الأحكام ، فسرّوا الصحة بعدم وجوب القضاء أو الإعادة ، وهذا من لوازم كون العبادة تامة ، فإذا صلّى الإنسان « صلاة » تامة الأجزاء والشرائط لا يجب عليه إعادتها ولا قضاؤها .
ولما كان المهم لدى المتكلمين هو استحقاق الثواب أو العقاب ، فسروا الصحة بموافقة الأمر أو الشريعة ، وهذا من لوازم كون العبادة تامة ، فإذا صلى « الإنسان » صلاة تامة فقد وافق الأمر أو الشريعة ، واستحق الثواب وسقط عنه العقاب .
تنبيه : إذا اتضح هذا نقول : يتبين إن الخلاف السابق ليس في أصل معنى الصحة ، بل في لوازمها ، وهو لا يوجب القول بتعدد معنى الصحة ، ومثل هذا الاختلاف هو اختلاف « الصلاة » بحسب حالات المكلف من السفر والحضر والاختيار والاضطرار ، فإن « صلاة المسافر » تختلف عن « صلاة الحاضر » ، ومع ذلك معنى « الصلاة » واحد .
فانقدح مما تقدم : أن الصحة في الفساد من الأمور الإضافية غير الحقيقة والذاتية ، « فالصلاة المقصورة » صحيحة بالإضافة إلى المسافر ، فإن « الصلاة المقصورة » بالنسبة إليه تامة . وفاسدة بالإضافة إلى الحاضر ، لأن « الصلاة المقصورة » بالنسبة إلى الحاضر ناقصة .
- الأمر الثالث : إنه لا بدّ على كلا القولين : « القول بالوضع للصحيح أو للأعم » لا بدّ من تحصيل جامع يجمع الأفراد الصحيحة أو الأعم منها ، لكي يكون لفظة « صلاة » مثلا موضوعة له ، ومن المتفق عليه لديهم : أن ألفاظ العبادات من ألفاظ « المشترك المعنوي » أي : موضوع كلي ينطبق على أفراد ، لا من المشترك اللفظي أي : موضوع مباشرة على المصاديق الخارجية ، فإن صلاتي في الخارج ليست هي « الصلاة » بل هي مصداق لمعنى « الصلاة » الكلي التي هي فرضا « الناهية عن الفحشاء والمنكر » . فلا بدّ إذا على كل من القائلين بالصحيح أو الأعم أن يصوروا لنا جامعا مناسبا لقولهم ، فإن تمكنوا من ذلك فبها ، وإلا يتضح بطلان دعواهم .
تصوير الجامع على القول بالوضع للصحيح : مما لا إشكال فيه خلافا للشيخ الأنصاري « قدس سره » أن لأفراد الصحيح جامع يمكن الإشارة إليه بخواصه وآثاره ، لاشتراك الأفراد الصحيحة في أثر واحد ، وهو مثلا في « الصلاة » كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر ، والاتحاد في أثر واحد يدل على وجود مؤثر واحد في جميع أفراد الصحيح ، وذلك المؤثر هو الجامع .
رأي الشيخ الأنصاري : إنه لا يمكن تصوير جامع على القول بالوضع لخصوص الصحيح ؛ وذلك لأنه إما أن نفرض الجامع بسيطا أو مركبا من أجزاء معينة ، وكلاهما باطل .
أما بطلان المركب : فلعدم إمكان تحديده في أجزاء معينة ، لاختلاف الأجزاء عند اختلاف أحوال المكلفين من صحة وعجز وسفر وحضر . . . إلخ .
وأما بطلان البسيط : فلأنه لا يخلو إما أن ندعي إن الجامع مع البسيط هو مفهوم المطلوب ، فالصلوات الصحيحة مثلا يجمعها كونها مطلوبة ، وإما أن ندعي أن الجامع البسيط ليس هو عنوان المطلوب بل هو لازم لهذا العنوان ككونها ذات مصلحة أو محبوبة ، لأن من لوازم كون « الصلاة » مثلا مطلوبة أن