شرح
عن إرادة المعنى الحقيقي اللغوي ، فهل نحمل اللفظة على إرادة خصوص الصحيح تام الأركان والأفعال ، أو على الأعم منه ومن الفاسدة ، فالقائلون بالصحيح يحملونها على إرادة الصحيح ، ويدعون أنه هو المجاز الأول وهو لا يحتاج إلا إلى قرينة صارفة .
والقائلون بالأعم يحملونها على إرادة الأعم ، ويدعون أنه هو المجاز الأول ، والحمل على المجاز الثاني يحتاج إلى قرينة ثانية معينة لإرادته .
جواب صاحب الكفاية على الشّيخ الأنصاري « قدس سره » : كل ما تقدم يصح بعد إثبات أن استعمالات الشارع لألفاظ العبادات مبنية على هذه الطريقة « سبك المجاز بالمجاز » ، وبعد إثبات السيرة على أنه مع استعمال ألفاظ العبادات بقرينة واحدة يريد المعنى الأول ، وبقرينتين يريد المجاز الثاني ، ولم يثبت سيرة من هذا القبيل .
توضيح رأي أبي بكر الباقلاني : يقول : إن جميع استعمالات الشارع لألفاظ العبادات كان استعمالا حقيقيا في المعنى اللغوي ، ولم يستعملها الشارع في المعاني الشرعية على نحو المجاز وإن كان يريد المعنى الشرعي حين الاستعمال ، بأن نقول : إن الشارع لم يستعمل لفظة « الصلاة » مثلا إلا في « الدعاء » : المعنى اللغوي ، حتى في حالة إرادته المعنى الشرعي : « الأركان المخصوصة » ؛ وذلك بأن ينصب قرينة لفظية على أنه يريد المعنى الشرعي من قبيل تعدد الدال والمدلول كما في قولنا : « رأيت البحر جالسا يتحدث » ، فإني لم استعمل البحر في المعنى المجازي بل استعملتها في معناها الحقيقي « وهو مجمع الماء الكثير المتعارف » ، ولكن أردت من البحر « هنا » العالم على نحو تعدد الدال والمدلول بتوسط قرينة « جالسا يتحدث » . كذلك مسألتنا .
النزاع في الصحيح والأعم بناء على مسلك الباقلاني في الألفاظ : اختلف الشّيخ الأنصاري مع المصنّف في أنه هل يمكن تصوير النزاع بين الصحيح والمجاز بناء على مسلك الباقلاني .
قال الشيخ الأنصاري « قدس سره » : لا يمكن تصوير النزاع ، لأنه بناء على مسلك الباقلاني لا معنى لوقوع النزاع . لأن الباقلاني ينفي أصل الوضع للمعاني الشرعية ، فلا معنى للنقاش هل وضع الشارع الألفاظ لخصوص الصحيح أو للأعم ، فهو سالب بانتفاء الموضوع .
رأي صاحب الكفاية : يمكن تصوير النزاع في الصحيح والأعم - حتى بناء على مسلك الباقلاني - وذلك بأن ننقل النزاع من الوضع إلى القرائن المنصوبة على إرادة المعاني الشرعية ، فنقول : كيف نصبت القرائن ؟ هل نصبت القرائن لإرادة المعنى الشرعي خصوص الصحيح منه ، أو أنها نصبت لإرادة الأعم منه ومن الفاسد ، فاتضح : إمكان وقوع النزاع بناء على مسلك الباقلاني .
- الأمر الثاني : وفي توضيح معنى الصحة في قولنا : الألفاظ موضوعة للصحيح أو للأعم .
اختلف الفقهاء مع المتكلمين في تفسير الصحة ، فقال الفقهاء : إن معنى أن « الصلاة » صحيحة أي : لا تحتاج إلى قضاء أو إعادة . وقال المتكلمون : إن معنى الصحة هو موافقة العمل للأمر أو الشريعة ، فمعنى : أن « الصلاة » صحيحة أي : موافقة للأمر أو الشريعة .
فاتضح : أن الظاهر أن معنى الصحة واحد لدى الجميع ، وهو التمامية ، فمعنى أن « الصلاة » صحيحة أي : تامة الأجزاء والشرائط ، وهذا التعريف للصحة متفق عليه لدى الجميع واختلاف الفقهاء مع