شرح
القول بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية : هل يأتي النزاع عند النافين لثبوت الحقيقة الشرعية أم لا ؟ قد يقال : لا ، لا يأتي النزاع . لأنه ما لم نسلّم بثبوت الحقيقة الشرعية وأن الشارع قد وضع ألفاظ العبادات للمعاني المستحدثة ، لا معنى للنزاع في أنه هل وضعها لخصوص الصحيحة أو للأعم منها ومن الفاسدة ، لانتفاء أصل الوضع المستحدث ، فالنزاع مسلوب بانتفاء الموضوع .
رأي الشّيخ الأنصاري في المسألة : أنه يمكن تصوير النزاع في الصحيح والأعم ، عند النافين لثبوت الحقيقة الشرعية ولكن لا بالشكل السابق ، فإنه ممنوع قطعا ، ولكن يمكن تصوير النزاع بشكل آخر .
لتوضيح ذلك نقول : إنه من المسلّم لدى الجميع أن الشارع المقدس قد استعمل ألفاظ العبادات في المعاني المستحدثة ، كاستعمال لفظ « الصلاة » في الأركان المخصوصة ، فهذا أمر مسلّم حتى عند النافين لثبوت الحقيقة الشرعية . والقائلون بأن الشارع لم يؤسس وضعا جديدا في المعاني المستحدثة ، بل استعملها في المعاني المستحدثة من باب المجاز مع القرينة .
- نقول : إن للمجازات مراتب طولية ، بمعنى : أن الحمل على بعضها أولى من الحمل على البعض الآخر .
توضيح ذلك : إنه بعد وضع اللفظ لمعنى يصبح ذلك المعنى الموضوع له حقيقيا ، ومن الواضح أن لهذا المعنى الحقيقي علاقة ما بمعاني أخرى تشابهه في بعض الأمور ، فيجوز استعمال ذلك اللفظ في المعنى الذي له علاقة بمعناه الحقيقي ، وهذا الاستعمال مجازي ، لأنه في غير ما وضع له اللفظ ، والمعنى الثاني مجازي ، ولنسميه بالمجاز الأول ، لأنه تربطه بالمعنى الحقيقي علاقة واحدة ، والحمل على المجاز الأول لا يحتاج إلا إلى قرينة صارفة للفظ عن المعنى الحقيقي .
ومن باب التوسع في المجاز : جاز استعمال اللفظ أيضا في المعاني التي ترتبط بالمعنى المجازي الأول بعلاقة ، فيكون استعمال اللفظ في ذلك المعنى مجازيا أيضا ، ولنسميه بالمجاز الثاني .
- والحمل على المجاز الثاني يحتاج إلى قرينتين ، الأولى : القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي ، والقرينة الثانية هي المعينة لإرادة المجاز الثاني ، وتسمى هذه الطريقة بطريقة سبك المجاز بالمجاز .
فاستعمال اللفظ في المجاز الثاني يكون بتوسط واسطتين ، بخلاف استعماله في المجاز الأول فهو بتوسط واسطة واحدة فقط .
بعد تمهيد وتوضيح هذا الأمر ، نأتي إلى مورد البحث فنقول : قال الشّيخ الأنصاري « رحمه الله » يمكن وقوع النزاع في الصحيح والأعم عند النافين لثبوت الحقيقة الشرعية ووقوع الوضع الجديد ، بطريقة سبك المجاز بالمجاز ، بيان النزاع عند النافين يكون هكذا : هل أن الشارع عندما استعمل لفظ « الصلاة » مثلا في الأركان المخصوصة على نحو المجاز ، هل جعل العلاقة ابتداء بين المعنى الحقيقي اللغوي « الدعاء » وبين الأركان المخصوصة الصحيحة ، فيكون استعمال الشارع للألفاظ في الفاسدة ثانويا وبتوسط واسطتين « مجاز ثاني » ، أو أن الشارع قد جعل العلاقة ابتداء بين المعنى الحقيقي ، وبين الأركان المخصوصة الأعم من الفاسدة والصحيحة ، فيكون استعمال الشارع للألفاظ في خصوص الصحيحة ثانويا وبتوسط واسطتين .
وتظهر الثمرة على هذا القول : فيما إذا وردت لفظة « الصلاة » مثلا في كلام الشارع ، مع قرينة صارفة